شعار قسم مدونات

"حج يا حاج"

"رحلة الحج".. أفلام للوثائقية ترصد رحلة الأجانب إلى الديار المقدسة
الحج مدرسة للحجاج وغير الحجاج. كما أنه مدرسة تربي على الطاعة والعبودية لله عزوجل واتباع أمر الله وإظهار توحيد الله (الجزيرة)

"الحج هو أقوى عامل لتقارب وتعارف الشعوب الإسلامية في زمن الفرقة المحزنة، فالجو العام في الحج تسوده مشاعر الأخوة والمساواة".. هذا ما قاله "علي عزت بيجوفيتش".

في هذه الأيام يتجه ضيوف الرحمن من كل أنحاء الدنيا إلى بيت الله الحرام ليؤدوا هذه الشعيرة العظيمة، خامس أركان الإسلام.

قد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئل: أيُّ الحجِّ أفضل؟ فقال: (العَجُّ والثَّجُّ)، والعج هو رفع الصوت بالتَّلبية، إعلاناً للتوحيد وبراءةً من الشرك بجميع صوره وأشكاله. والتلبية تحمل معنى الإقرار بأنَّ الله يسمع سمعًا يليق بجلاله وعظمته، فهو يسمع قول القائلين، وكلام المتكلمين، وسؤال الدَّاعين، هو يسمع ذكرَهم، ويسمع سرَّهم ونجواهم، لا تخفى عليه من شأنهم خافية. فالخطاب "لبيك" لا يُتوجَّه به لمن لا سمعَ له، فتعالى الله عمَّا يقول المعطِّلون علوًّا كبيرًا.

في الحج يجتمع المسلمون في مكان واحد وزمان واحد لإحياء سنة إبراهيم عليه السلام؛ ولكل منسك في الحج، بلا شك، حكم بالغة. وفي المناسك يلزم الحجيج ذكر الله، ويتتابع الذكر وصولا إلى عرفة، وبعده في يوم النحر وأيام التشريق، في أبهى مشاهد تؤكد اجتماع المسلمين.

في الحج تتحقق كل أنواع العبادات الجسدية والمالية والقلبية، ففيه السعي والحركة، وبذل المال في رحلة الوصول، وفيه تنبض القلوب شاهدة لله بالوحدانية، ومخلصة له العبادة. وفيه يتحصل المسلمون على منافع دنيوية ودينية، مصداقاً لقوله تعالى: "ليشهدوا منافع لهم"..  في الحج غفران الذنوب، وتكفير السيئات، والثواب الجزيل من رب كريم.

وللباس الإحرام في الحج دلالته ومعناه، فكأنه تذكرة بحقيقة الدنيا التي سنخرج منها كما دخلناها، وأنها ليست إلا أياماً قصيرة ستمضي، ونمضي بها إلى الآخرة.

في رحلة الحج قد يتحمل كثير من الحجاج مشقة السفر، ومعاناة ترك الأهل والمال وكل متاع الدنيا، فالحج "جهاد لا قتال فيه"، وهو رحلة إلى الله، رحلة ابتهال ودعاء للخالق أن يتقبل المناسك، ويُفيض على عباده الأجر.

الحج مدرسة للمسلمين كافة، سواء منهم من حضر المناسك ومن كان كان في أهله وبلده معظما حرمة هذه الأيام.. هو مدرسة تربينا على الطاعة، وترسخ فينا معنى العبودية لله عزوجل، واتباع أمره، وإظهار الخضوع والتذلل له، والإقرار له بالوحدانية؛ وفيه تهذيب النفس، وتطهير القلب من الغل والحسد والبغضاء. يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: "إن الحج كله دعوة إلى التوحيد والاستقامة على دينه، والثبات على ما بعث به رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم".

عند مشاهدة الحجاج عبر وسائل الإعلام يتمنى المسلم أن يكون مع ضيوف الرحمن، لما لهذا المنظر العظيم من أثر في النفس، وقد بدا في جلاله كأجمل ما شاهدته العين.

لكن، مع كل ما سبق ذكره نجد في الحج ما يؤسف له في صور كثيرة، منها التدافع والتزاحم عند المناسك، وكأن فلانا يريد الطريق كله له، فهذا لا يليق بأي حال من الأحوال، وحسب الحاج أن ينبه الآخر ليفسح له بالقول: حجّ يا حاج. وعلى الجميع الالتزام بقواعد الأدب، والتحلي بالأخلاق الكريمة، وترك السباب والشتم، وعلى الحاج حفظ اللسان من الجدال والغيبة والنميمة والتحقير، وحفظ العين من النظر المحرم.

هي أيام وتمضي سريعا، فما علينا إلا الاستزادة من خيرها، واغتنام فضلها، واستغلالها في التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة.. بالصدقة وقول المعروف والإحسان وكل ما يقرب إلى الله عزوجل.

ولنذكر أن الحج دعوة من الله عزوجل لزيارة بيته، فليجتهد كل منا أن يلبي دعوة الله متى استطاع إلى ذلك سبيلا.

هنيئا للحجاج، وتقبل الله سعيكم، وغفر ذنبكم، وبارك الله بمن سعى لذلك، فالحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.