شعار قسم مدونات

يوم الثلاثاء

أربعة أيام عمل فقط في الأسبوع وحرية التنقل لأي مكان: الشركات تعيد كتابة مستقبل العمل (مرة أخرى) المصدر: شترستوك 1626375400
المسألة لا تعدو كونها مشاعر مرتبطة بالتوقيت وليست بعقارب الساعة التي كنا نظن واهمين أننا نعرفها (شترستوك)

تدور أيامنا وفق توقيت مشاعرنا تجاهها، وقد تمضي من دون أن نشعر بها! فنُردد دائما: فلان متى كبر بسرعة؟ وهكذا دواليك تجد أن هذا المولود الذي كنت تعتقد أنه ما زال حديث عهد بالحياة لم يعد يعيش يومه الأول في الحياة، فأمه أصبحت تناديك لكي تذهب به إلى يومه الدراسي الأول! لتتنهد حينها وتقول ما قاله الفيلسوف: "هذه العقارب متوقفة، فلماذا تجاوزني الزمن"؟!

تُقلب أمامك في التقويم أيام الأسبوع تنظر إلى الأربعاء فتجد أنه لم يعد يُسعدك كما كان في السابق حينما كان آخر أيام الأسبوع، قبل أن تداهمه التعديلات الطارئة على الإجازة، فأخذ دوره يوم الخميس الذي أجزت لنفسك تسميته "الخميس الونيس"، مُترنما بقول الشاعر: "خميس، وما لي خِلق ازعل".

وأنت تقلب صفحات الأيام يقفز عليك يوم السبت واضعا يده على فمك قائلا: "لم أعد ذلك الذي تعرفه بالكآبة، لقد حولتني مشاعرك إلى يوم سعيد تفعل في امتدادي ما تشاء من مباهج الحياة"، إنها إذن تحولات طبيعة الحياة التي جعلت الكثير منا يرى يوم الأحد طويلا، وإذا أراد التندر على أحد قال له: "وجهك طويل مثل طول يوم الأحد"!

أنت الذي تحاول الهروب ولا مفر! فطوفان الوقت جارف لا ينتظر مهما وضعت الساعة في مكان ثابت أو متحرك

وقبل أن تُغلق صفحة الأيام تتقافز أجزاؤك تسألك المفر، تُجاهد معك في سعي وجودي تائه في سماء المعاني الضائعة في عوالم الوهم، فلا مناص من الأيام التي مهما اختلفت مُسمياتها في كل اللغات، بين الشرق والغرب والشمال والجنوب في شتى الثقافات، وكل الحضارات ستبقى هي مقياس الزمن الماضي والحاضر والمستقبل، كما قال أحد الفلاسفة: "يومان في العام لا تستطيع أن تفعل فيهما شيئا: الأول الأمس، والثاني الغد". فعليك بالساعة التي أنت فيها، ولذلك قال أحد الحكماء: "لا تندم على أي يوم في حياتك: فاليوم الجيد يمنحك البهجة، واليوم السيئ يمنحك الخبرة، وكلاهما مهم لحياة ناجحة".

أنت الذي تحاول الهروب ولا مفر! فطوفان الوقت جارف لا ينتظر مهما وضعت الساعة في مكان ثابت أو متحرك، فالمشترك بينهما يكمن في المُضي قُدما نحو المستقبل، سواء تقدمت الدقائق أو تأخرت.

وأنت تُقلب جدول أيام الأسبوع تصل في رحلتك الزمنية إلى يوم الاثنين اليوم المبارك الذي تُعرض فيه الأعمال على الله سبحانه وتعالى، يوم التأقلم مع واقع العمل بعد زوال كسل الإجازة.

ودعونا نقفز قليلا فوق يوم الثلاثاء كما تجاوزه الفنان المصري هاني رمزي في فيلمه الكوميدي "يوم الثلاثاء"، حيث دارت قصة الفيلم حول شخص لا يجد "يوم الثلاثاء" في جدول أيام حياته، فمن الاثنين يقفز للأربعاء، ويظل يعاني من تلك المشكلة حتى ينتهي الفيلم.

هذا الأربعاء الحزين على ماضيه الجميل، فلم يعد ينتهي به أسبوع العمل، ولكنه أيضا لم يشكل عائقا أمام الكثير كون "الخميس الونيس" سيظهر نوره في اليوم التالي، واترك لكم الحديث عن يوم الجمعة، هذا اليوم الذي ثبت على مبادئه منذ القِدم كإجازة رسمية وعيد المسلمين الأسبوعي.

لأننا نحن منذ الأزل من نعطي للأشياء معانيها الكبيرة أو نسلبها منها ونجرد منها أفضليتها كما رأيتم في بعض أيام الأسبوع، تعالوا بنا نُؤسس تقييماتنا الجديدة، ونضع تاج أيام الأسبوع على رأس يوم الثلاثاء.

فالمسألة لا تعدو كونها مشاعر مرتبطة بالتوقيت، وليست بعقارب الساعة التي كنا نظن واهمين أننا نعرفها، قبل أن تكشف لنا الحياة عن سُرعة إيقاعها.. فلا يمكن أن نكره يوما بسبب موقف معين حصل لنا فيه، أو بسبب صورة ذهنية بأنه يوم مرهق؛ فلا شأن للأيام بما نعتقده عنها، بل بما سنُقدمه فيها، خاصة أننا محدودون بـ24 ساعة علينا أن نُقدم فيها ما يليق بنا.

فالثلاثاء في عصرنا الحالي أصبح وسط أيام العمل الأسبوعية، وهذه الوسطية تزيده جمالا كونه يُمثلنا نحن كأمة وسط كما وصفنا الله سبحانه وتعالى، هذا اليوم الثالث لدى المسلمين الذي اقتبس مسماه من الرقم 3، مما جعله يملك طاقة نفاثة كطاقة هذا الرقم المُميز في حضارتنا الإسلامية.

وهذا ما يجعل بإمكاننا أخذ إجازة من الواقع حتى ولو كنا في قلب العمل! إجازة نسافر فيها داخل المعاني الجميلة التي تختفي خلف هذا اليوم الجميل، الذي وصفه أحدهم بقوله: "في الثلاثاء نتذوق نكهة الخميس"، والكاتب خالد الباتلي عندما كتب مؤلفا عن الحب سماه "صباح الثلاثاء".

وكتب ابن الرومي عنه شعرا فقال:

يومُ الثلاثاء ما يومُ الثلاثاءُ .. في ذِروة من ذُرا الأيام علياءِ

كأنما هو في الأسبوعِ واسطةٌ .. في سِمْطِ دُرٍّ مُحَلٍّ جيد حسناءِ

وقال فيه الشاعر زكي مبارك:

تذكرت في يوم الثلاثاء أنني ..  لقيتك واستوحيت روحك في شعري

وأقبلت أرتاد الجمال بناظر ..  حواك إلى قلبي وإن لم تكن تدري

وتسابق أيضا الحكماء في وصف الثلاثاء فقالوا: "الإبداع هو كلمة عالية الجودة للعمل الذي يجب أن أقوم به من الآن وحتى الثلاثاء". و"الناس الذين كانوا عاقلين تمامًا يوم الثلاثاء يصابون أحيانًا بالجنون يوم الأربعاء"، و"سأحبك إذا لم أرك مرة أخرى، وسأحبك إذا رأيتك كل ثلاثاء"، و"الثلاثاء قادم.. فهل أحضرت معطفك".

وغيرها من العبارات التي تؤكد أن هذا اليوم "يوم لين وجُبار" كما وصفه القدامى، وتبرهن على المعاني الجميلة والخفية التي يحملها هذا اليوم، فتعالوا نبني لهذا اليوم معنى عميقًا نزهو به أمام الرفاق، ويتفاخر به الثلاثاء على إخوانه بقية أيام الأسبوع، لنتمثل القول المعروف "ليس الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي، إن الفتى من يقول ها أنا ذا".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.