شعار قسم مدونات

طرائف الموتى!

الضحكة الظاهرة رغم أوجاع الباطنة
تساؤلات محيرة تحول الحالة من فيلم رعب إلى مشهد كوميدي يغرق فيه الجميع في بحر من دموع الضحك (الجزيرة)

لكل منا أحبة يجلهم ويقدرهم، ولكنهم رحلوا عن هذه الحياة الفانية، وبقيت ذكرياتهم الجميلة تسكننا، وقصصهم تسافر في أذهاننا في كل يوم، ولحظاتهم الجميلة تُزيّن مجالسنا في كل لحظة، كما تقول الحكمة "الموت لا يغيب إلا الأجساد المنسية، أما القلوب النابضة بالحب، فتبقى ذكراها أبدية".

نستذكر في بعض مجالسنا الكثير من طرائف بعض أحبتنا الذين خطفهم الموت منا بلا ميعاد، فنسترسل بشغف في سرد أحاديثهم، ووسط تلك الضحكات نترحم عليهم، ليضحكونا في حياتهم، وبعد وفاتهم. أعتقد أنه لا تضحكنا تلك النُكت إلا لأنها خرجت منهم، ونحن نسرف في تلك الضحكات نجذر معنى محبتهم التي تسكن قلوبنا.

نحن نضحك للتواصل العميق بيننا وبينهم، نضحك لعمق أرواحنا المتعانقة في السماء، نضحك للأواصر العميقة بيننا التي لا تنتهي بالغياب الدنيوي، وإنما تمتدّ لعوالم عصيّة على الانقطاع والنسيان.

كيف يمكن لمعنى الموت أن يتحول من سُرادق الحزن إلى قاعة الفرح؟ وكيف يتحول من حالات البكاء إلى الضحك؟ وكيف ينتقل من أحوال الحزن إلى السعادة؟

نضحك لأطيافهم الحاضرة معنا، الساكنة فينا، الطائرة في فضاءاتنا الضيقة أو الواسعة، ونعيش في ذكرياتهم وكأن حياتهم انقسمت إلى شطرين: جسد غادرنا للأبد، وروح بقيت معنا، تُضفي على حياتنا أجمل معاني السعادة، وتخفف عنا حزن الغياب، وتمضي معنا في كل مكان، لتشكل بذلك معاني مختلفة للموت الذي لا يعرف النهاية.

هنا تتجلى غرابة الدنيا عندما تجعل الموتى يضحكوننا، ونسعد بحكاياتهم، ونفرح برواياتهم، ونستذكر مواقفهم ضاحكين، ونستحضر تصرفاتهم فرحين تكاد الضحكات أن تشق وجوهنا سعادة وبهجة، في مشهد مليء بتناقضات الحياة وعجائبها التي لا تنتهي!

حقا.. كيف يمكن لمعنى الموت أن يتحول من سُرادق الحزن إلى قاعة الفرح؟ وكيف يتحول من حالات البكاء إلى الضحك؟ وكيف ينتقل من أحوال الحزن إلى السعادة؟ وكيف ينقلب من صيحات الأحزان ونحيبها إلى قهقهات الأفراح وضحكات البهجة؟

وتتواصل التساؤلات المحيرة في هذا الشأن الغريب الذي تتحول فيه الحالة من فيلم رعب إلى مشهد كوميدي يغرق فيه الجميع في بحر من دموع الضحك، وكيف يتغير التصنيف الدرامي من مشؤوم إلى حكايات مريحة تتغير فيها الأمزجة من الظلام إلى الضوء حينما يخرج لنا الموتى من بعيد ليمنحونا الفرح، فمن يدخل علينا ويجدنا في قمة السعادة لن يصدق أن مصدرها قريب غادرنا إلى السماء، أو صديق أخذه الموت منا فجأة لنبقى نقتات السعادة على ذكراه، محولين النهاية إلى بدايات دائمة التجديد.

مازلت أؤمن أن الإنسان لا يموت دفعة واحدة، وإنما بطريقة الأجزاء، كلما رحل صديق مات جزء، وكلما غادرنا حبيب مات جزء، وكلما قُتِل حلم من أحلامنا مات جزء!

فكون الموتى يمنحوننا الفرح أكثر من بعض الأحياء أمر في غاية الحيرة! يؤكد بأن هذا الموت الذي يعتبر بذاته سرا غير مفهوم وبكنهه غير المعلوم ما زال يحمل أيضاً في أعماقه أسرارا لم تُكشف بعد! منها ظهوره لنا بأشكال متعددة نضحك فيها على قصص من فقدناهم، ونحتفي بحكايات من عدمناهم، لسان حالنا (هذا ما بقي لنا منهم، وهذه رائحتهم تُحلق في مجالسنا، وهذه أطيافهم تزين زوايا منازلنا، وهذه أصواتهم تؤنس جمعاتنا، وهذه حكاياتهم تسعد قلوبنا، فهم لم يرحلوا قط عنا، وسيبقون يكملون الجزء الضائع منا، ويشدون من أزرنا لنتماسك أكثر في مواجهة قادم الأيام).

وهذا ما يؤكده قول جبران خليل جبران: "مازلت أؤمن أن الإنسان لا يموت دفعة واحدة، وإنما يموت بطريقة الأجزاء، كلما رحل صديق مات جزء، وكلما غادرنا حبيب مات جزء، وكلما قُتِل حلم من أحلامنا مات جزء، فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتة، فيحملها ويرحل"!

وكما يظهر لنا الموت في الفرح، ويتفاوت علينا بشكل متجزئ، فإنه يظهر أيضاً لنا في بُعد المسافات بين الأهل والأحبة والخلان كما قالت العرب: "البُعد أخو الموت!) وجربوا أن تستحضروا قصص ومواقف موتاكم الطريفة ستجدون فيها متعة متناهية الجمال، ولكن في قمة ضحكاتكم لا تنسوا الترحم عليهم وقراءة الفاتحة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.