شعار قسم مدونات

الظلمة المضيئة

مدونات - الاكتئاب
التغيير يبنى على العلم دائما وأبدا (مواقع التواصل الاجتماعي)

يعيش الناس لسنوات طويلة وهم يسكنون في مناطق الراحة، ويهربون من الألم الذي يأتي من مواجهة الحقائق، ويتقوقعون في المناطق الرمادية والوهم المريح. وكما قال الشيخ النابلسي: "الحقيقة المرة أهون من الوهم المريح".

الذين يعيشون في منطقة الراحة لا يتغيرون -غالبا- بل يجنحون نحو الجمود، فالجاهل مثلا يظل في جهله سعيدا كما قال الشاعر "وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم"، ولكنه يظل في تلك الحال حتى يواجه لحظة مؤلمة، كأن يظهر أمام أبنائه بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، فيؤلمه ذلك، ليبدأ مسيرة التعلم وخطوات النور.

ولا ييأس الإنسان من التغيير الذي قد يأتي في أي لحظة من عمره، فالعالِم الملقب بعابد الحرمين "الفضيل بن عياض" كان قاطع طريق، سارقا يقفز على المنازل ويسلب القوافل. وظل على ذلك الحال حتى هم ذات مرة بالقفز على منزل امرأة عجوز، وصادفت لحظات وقوفه على سور المنزل أنها كانت تقرأ القرآن وتحديدا هذه الآية "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ" (سورة الحديد/ من الآية 16) فلامسته هذه الآية، وقال: "بلى قد آن"، ومن تلك اللحظة تحول لطلب العلم، ليصبح بعد سنوات "عابد الحرمين".

لا أدعو إلى الألم والمعاناة، ولا أطالب بالتحطيم وتكسير المجاديف لكي يتألم الإنسان ويتغير.. وإنما أوضح أن بعض الألم ولو كان يسيرا قد يسهم في إشعال جذوة التغيير في الإنسان

والتغيير يبنى على العلم دائما وأبدا، ولذلك بمجرد ما يتألم الإنسان في لحظات جهله الكئيبة يبدأ مباشرة في السير في طريق العلم الذي سينقله من الظلمات إلى النور، كما قال الله في كتابه: "يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" (سورة المجادلة/ من الآية 11).

ومن يظن أن التعلم ينتهي بتقدم العمر -كما يقول المثل المصري "بعد ما شاب ودُّوه الكُتَّاب"- فهو مخطئ حتما، لأن الإنسان مجهز تمام الجاهزية بكل أدوات التعلم، كما قال الله: "وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (سورة النحل/ الآية 78)، وما عليه بعد ذلك إلا اتخاذ قرار البدء بالدراسة.

وللألم دور كبير في ذلك، لأننا في الحياة بشكل عام لا نخرج من كوننا: إما باحثين عن المتعة أو هاربين من الألم، بشتى أشكاله، فالمواقف المؤلمة والدروس المؤثرة دائما هي التي تجعل الإنسان يستيقظ ليشعل شمعة تضيء أرجاء ظلامه الدامس بنور المعرفة، كما تقول الحكمة "من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة"، وكما يقول أحد المفكرين "أملك في ألمك".

وأنا في هذا المقال لا أدعو إلى الألم والمعاناة، ولا أطالب بالتحطيم وتكسير المجاديف لكي يتألم الإنسان ويتغير، وإنما أوضح أن بعض الألم ولو كان يسيرا قد يسهم في إشعال جذوة التغيير في الإنسان، لتتحول حياته مائة وثمانين درجة في عالم التغيير نحو الأفضل، كما تقول الحكمة "قد أعذرك إذا لم تكن تعلم، ولكنني لن أعذرك إذا لم تتعلم ما يجب عليك تعلمه".

وإذا فتح الإنسان عقله وقلبه للتغيير فإن الله سيسخر له المعلم الذي يرشده نحو الصواب، كما يقول المثل الصيني "إذا استعد الطالب ظهر المعلم"، وعلى الإنسان أن يستغل فرص التغيير الاختيارية قبل أن تكون إجبارية، لأن التغيير صيرورة كونية، وكلما جاء إجبارًا كانت نتائجه صعبة وضريبته كبيرة. وعلينا دائما أن نتعلم من الألم ونجعله حافزا نحو الأمل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.