شعار قسم مدونات

الثبات الدنيوي

نحتاج ألا نفقد طبيعتنا النبيلة، التي علينا التمسك بها في السراء والضراء، وعلينا تحويل قلوبنا إلى باحات من المحبة والسلام (وكالة الأناضول)

يطلب الكثير الثبات من الله -سبحانه وتعالى- عند الموت، ولكن ربما ينسى البعض الدعاء بالثبات على الهداية طوال الحياة، والثبات أيضا أمام متغيرات الحياة وعواصفها التي قد تفقد المدرك صوابه! والتي علمنا النبي -صلى الله عليه وسلم- أهمية الالتجاء لله سبحانه وتعالى حينما قال (اللهم إني أعوذ بك مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ، والعَجْزِ والكَسَلِ، والجُبْنِ والبُخْلِ، وضَلَع الدَّينِ، وغَلَبَةِ الرجالِ) رواه البخاري.

فجميع هذه التحديات إذا لم يجد الإنسان فيها سلوة من الله سبحانه وتعالى يلهمه من خلالها الصبر، ويبشره بأنه من ذوي الاختصاص المحسنين، ويزرع في قلبه الطمأنينة، ويغرس في وجدانه السلام الداخلي الذي يجعله يسلم بما قسم الله له من أرزاق الحياة وأقدارها، حتى يلقى الله سبحانه وتعالى بقلب سليم.

تأتي الحياة المعتادة بكل شيء جميل، وتخرج أجمل ما فينا، فإن المحن والصعوبات قد تأتي بعكس ذلك، إذ يمكنها إخراج أسوأ ما فينا من طينية آدمية!

ولو عرف الإنسان أن الحياة الدنيا جبلت على كدر، فالإنسان كما خلقه الله في أحسن تقويم، فقد خلقه في حياة مليئة بالكد والتعب كما قال سبحانه في سورة البلد "لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ" (سورة البلد/ الآية 4) فسيعي أن هذه هي طبيعة الدنيا أنها لا تبقى ثابتة على حال، فكل شيء فيها متغير متحول، فمن صفا له زمن تعكرت عليه أزمنة أخرى، ومن تجملت له بعض الأيام ستظهر له أخرى قبحها، وهكذا دواليك تدور عجلة الحياة على البشر بين الألم والأمل، بين الفرح والحزن، بين الشك واليقين، بين الضحك والدموع، بين الوضوح والغموض، بين الهداية والحيرة، وسيظل الإنسان يخاتل هذه الدوامة واقفا يؤدي دوره على مسرح الحياة حتى تسدل الستائر معلنة عن حتمية النهاية!

وكما تأتي الحياة المعتادة بكل شيء جميل، وتخرج أجمل ما فينا، فإن المحن والصعوبات قد تأتي بعكس ذلك، إذ يمكنها إخراج أسوأ ما فينا من طينية آدمية! كما قال الشاعر:

يُقضى على المرء في وقت محنتِه          حتى يرى حَسَنا ما ليس بالحَسَنِ!

كلنا نتفق أن المحن والصعوبات شيء مرهق، ولكن لا يجب أن تسلبنا إنسانيتنا، وتسرق منا روحانيتنا، وتجعلنا نغادر الملاك الذي كنا عليه إلى منحنيات قد لا نحمد عقباها

فيمكن للشخص ألا يثبت في وقت المحن، وينهار أمام الصعوبات، ويخرج سوداويته، ويظهر سوءته قولا وفعلا! وينحدر إلى حضيض الأخلاق، ويلبس أسوأ الصفات، ويتحول إلى حاسد حاقد!! متذمر تلعنه الأرض التي يمشي عليها، ويلعن هو كل شيء!

كلنا نتفق أن المحن والصعوبات شيء مرهق، ولكن لا يجب أن تسلبنا إنسانيتنا، وتسرق منا روحانيتنا، وتجعلنا نغادر الملاك الذي كنا عليه إلى منحنيات قد لا نحمد عقباها.

فالأزمات سُنة الحياة، والجوائح من سنن الكون، والتحولات الكبيرة صيرورة الأرض، وعلينا أن نركب في سفينة المرونة، ونتماهى مع كل المتغيرات التي تغشانا بين الحين والآخر.. فيمكن للمشكلة أن تكون بوابة للتغيير، ويمكن أن نرى في الصعوبات الكثير من الخيرات (فكل نار تستبطن نورا) كما يقال، وكما قال الله "وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ" (سورة البقرة/ من الآية 216).

فالمحنة أمر سيمضي حتما وفي أقرب وقت، ولكن الأخطر منها فقدان ملائكيتنا، وتحولنا إلى أرض مليئة بالأشواك والسموم القاتلة!

والصحابة الذين ظنوا الحديبية مشكلة كانت فتحا، وغالب الذين تألموا من بعض المحن والتحديات جنوا خيراتها لاحقا.. ولكن الأهم من هذا كله لكي نحول المحن إلى منح فإننا نحتاج ألا نفقد طبيعتنا النبيلة، التي علينا التمسك بها في السراء والضراء، وعلينا تحويل قلوبنا إلى باحات من المحبة والسلام، وأن نتمنى للجميع الخير أينما كانوا.

فالمحنة أمر سيمضي حتما وفي أقرب وقت، ولكن الأخطر منها فقدان ملائكيتنا، وتحولنا إلى أرض مليئة بالأشواك والسموم القاتلة!! وعندها فقط سنفقد كل شيء جميل فينا، وننحدر إلى أسفل سافلين! وسنفقد حينها كل المعاني النبيلة.

ونحتاج نحن البشر أن نسلك طريق الأمل دائما فكلما صعبت علينا الحياة استعرضنا تسلية الله سبحانه وتعالى لنا في الكثير من آيات القرآن الكريم حينما قال سبحانه وتعالى لنا "يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (سورة البقرة/ من الآية 185)، وقال سبحانه وتعالى (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (سورة الشرح/ 5 -6)، وغيرها من الآيات الكثيرة التي تلقي علينا قميص البشرى، وتجعلنا نتعامل مع صعوبات الحياة وفق ما يريده الله سبحانه وتعالى منا.

وبذلك نثبت أمام جميع التحديات، ونتماسك في كل المحن، ونبقى كما نحن على جوهرنا الأصلي وفطرتنا النقية التي نكون فيها كالملاك في باحة المحن، فنخرج أجمل ما فينا، ونصبر حتى يحقق الله أمانينا، قدوتنا في ذلك نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي بشرنا في هذا الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: عَجَبًا لأَمْرِ المؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمِنِ، إنْ أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ، فكان خيرًا له، وإنْ أصابَتْه ضراءُ صبر، فكان خَيْرًا له.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.