شعار قسم مدونات

تركيا واليونان.. أعداء الأمس هل يصبحان حلفاء الغد؟

رئيسة اليونان إيكاتيريني ساكيلاروبولو تلتقي بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أثينا (الأناضول)

مثلت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة اليونانية في السابع من الشهر الجاري ولقائه المسؤولين اليونانيين والتصريحات الإيجابية المتبادلة بينهما، تمهيداً لمرحلة جديدة بين البلدين عنوانها السلام الآن وربما التحالف مستقبلاً وإعادة إنتاج حلف البلقان، أو ما عرف باتفاقية التعاون والصداقة بين الدولتين في الخمسينيات (والتي ضمت أيضا يوغسلافيا السابقة) لمواجهة التوسع السوفياتي، رغم أن اليونان وتركيا كانتا أعضاء في الناتو آنذاك.

وفي حقيقة الأمر، فإن فهم طبيعة العلاقة بين اليونان وتركيا، يستلزم تحليل السياق الجيوسياسي الذي تُصاغ في إطاره السياسة الخارجية للدولتين وتدور معه علاقتهما بعمقها التاريخي من ناحية ومقتضيات المصالح الاقتصادية والسياسية المشتركة من ناحيةٍ أخرى.

وكانت قد تصاعدت الخلافات بين البلدين في العقد الأخير حول عدة ملفات أهمها الحدود البحرية بين البلدين وترسيم الجرف القاري لتركيا. كما لا يقل عما سبق أهمية الخلاف حول المجال الجوي لكل منهما فوق بحر إيجة واتهام تركيا لليونان بمخالفة بنود اتفاقية لوزان من خلال تسليحها للجزر اليونانية المتاخمة للحدود التركية، وهو ما تبرره اليونان بأنه رد على الاستفزاز التركي والتلميح بعمل عسكري ورفع العلم التركي فوق تلك الجزر.

أما الملف الأخطر فهو المتعلق بجزيرة قبرص وما يرتبط به من خلافات حول سعي تركيا للتنقيب عن الغاز الطبيعي قرابة سواحلها الشمالية حيث ترفض اليونان إضفاء المشروعية على هذه الأعمال انطلاقاً من رفضها الاعتراف بجمهورية القبارصة الأتراك في شمال الجزيرة.

يتفق الكثيرون أن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة، مما يؤهلها للقيام بدور إستراتيجي أكبر في مجالها الحيوي المباشر في اليونان والبلقان والبحر الأسود، أما اليونان فليس لديها مانع من أن تختبر الانخراط في ترتيبات بديلة تضمن أمنها من خلال علاقات متوازنة مع جيرانها بما في ذلك تركيا.

عوامل التقارب التركي اليوناني

لكن، ورغم ما سبق، فإنه يمكننا القول إن هناك عددا من العوامل التي شكلت سببا مقنعا لكلا الدولتين للتقارب، ومحاولة تصفير مشاكلهما، ولعل ذلك ما جعل أردوغان يصرح خلال زيارته الأخيرة إلى اليونان بأنه يأمل في تدشين "عهد جديد" في العلاقات مع اليونان، ونظرة سريعة على تلك العوامل يمكن لنا أن نفردها في الآتي:

  • مستقبل حلف الناتو الغامض

يرى دبلوماسيون أوروبيون أنه إذا فاز ترامب في الانتخابات القادمة، فإنه قد يتخذ قراراً بالانسحاب من الناتو، وسواءً كان قرار ترامب هو الانسحاب كلياً من الناتو أو اقتصر الأمر على ممارسة ضغوط على الشركاء الأوروبيين لدعم الحلف مالياً بشكل أكبر، كما فعل ذلك من قبل أثناء توليه السلطة مع زعماء فرنسا وألمانيا، فإن ذلك سيؤدي بالضرورة لإضعاف قدرات الحلف بل وربما تفككه وانهياره.

وهناك شواهد عدة تشير إلى أن المنظور السياسي لترامب سيكمل فكرة "التخارج" من مواطن الصراع في العالم، بل ربما يجعلها ركيزة سياسته الخارجية، وقد بدأ هذا الأمر بالفعل عندما كان في السلطة وأمر بالانسحاب من أفغانستان بل والتفاوض مع حركة طالبان التي لطالما صنفتها أميركا بأنها حركة إرهابية.

بل قد يجد ترامب إدارته مدفوعة لتسريع وتيرة "سياسة انعزالية" تحت وطأة المشاكل الاقتصادية في الداخل الأميركي ممثلة في ارتفاع أسعار الفائدة ومعدلات التضخم وتراجع أداء بورصة الأوراق المالية.

لذلك يمكن تفسير التحرك التركي الأخير باتجاه اليونان بأنه محاولة لملء الفراغ الإستراتيجي المحتمل، والذي يمكن أن يتسبب فيه قرار أميركي بتهميش الناتو.

وتخشي اليونان من أن تجد حدودها الشمالية الشرقية مكشوفة إذا سحب أو خفض ترامب قواته المحتشدة على أراضيها في إطار خطة أشمل للتخارج من أوروبا للأسباب السابقة أو رغبة منه في خفض التوتر مع روسيا بوتين.

  • استعداد تركي يوناني لملء الفراغ

يتفق الكثيرون أن تركيا تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الولايات المتحدة، مما يؤهلها للقيام بدور إستراتيجي أكبر في مجالها الحيوي المباشر في اليونان والبلقان والبحر الأسود، أما اليونان فليس لديها مانع من أن تختبر الانخراط في ترتيبات بديلة تضمن أمنها من خلال علاقات متوازنة مع جيرانها بما في ذلك تركيا.

اليونان أيضا لم تتورط كثيراً في علاقات عدائية مع روسيا، على العكس يوجد تعاطف تاريخي وتقارب بينهما لأسباب عرقية ودينية مفهومة تغلفها أيضا ًعلاقات سياسية واقتصادية قديمة، فاليونان سجلت تحفظاتٍ متكررة على حِزم العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا كان أخرها الحزمة رقم ١١ في الربع الثاني من هذا العام.

أما موقف تركيا المرن مع روسيا في تطبيق هذه العقوبات، والذي كان دائماً محل انتقاد من الإدارة الأميركية، فإنه يسمح لها بلعب دور الوسيط النشط لإعادة صياغة شكل العلاقة بين اليونان وتركيا ومن ثم روسيا.

عن ملف التنقيب عن آبار الغاز العالق بين تركيا واليونان، فقد اقتنع كلاهما أخيرا أنه لا يوجد حل لهذا الخلاف إلا بالحوار المباشر بينهما، إذ لم تفلح مساعي الدولتين في السابق للالتفاف من خلال إقامة المنتديات أو الاتفاقات بهدف إقصاء الآخر من ترتيبات تقسيم آبار الغاز في شرق المتوسط

  • اليونان وأوروبا ومعضلة الاقتصاد

وصحيح أن اليونان لم تنس الدعم المالي السخي الذي تلقته من ألمانيا في أعقاب أزمتها المصرفية، لكنها باتت تتشكك في مدى توافر حزم إنقاذ مالي لدى الاتحاد الأوروبي إذا ضربتها أزمة مماثلة.

وقد نشر موقع جريدة دويتش فيله بعد شهرين فقط من اندلاع الحرب في أوكرانيا أن الاقتصاد الألماني لم يكد يجتاز تداعيات كورونا حتى تلقفته ارتدادات حرب أوكرانيا والتي رفعت أسعار الطاقة ومستويات التضخم، الأمر الذي جعل اقتصاد ألمانيا -قاطرة الاقتصاد الأوروبي- يتراجع بشكلٍ كبير.

أما تركيا، فما يعانيه اقتصادها من تحديات تتمثل في تدني سعر الليرة وارتفاع أسعار الطاقة ونسب التضخم، كلها عوامل تدفع صانع القرار إلى تصفير مشاكل البلاد وخلق بيئة استقرار قرب حدودها مع اليونان، وتمنحه أيضأٌ الفرصة لإثبات حسن نواياه للشركاء الأوروبيين كي يستمروا في فتح أسواقهم للمنتجات التركية.

وعن ملف التنقيب عن آبار الغاز العالق بين تركيا واليونان، فقد اقتنع كلاهما أخيرا أنه لا يوجد حل لهذا الخلاف إلا بالحوار المباشر بينهما، إذ لم تفلح مساعي الدولتين في السابق للالتفاف من خلال إقامة المنتديات أو الاتفاقات بهدف إقصاء الآخر من ترتيبات تقسيم آبار الغاز في شرق المتوسط، ربما يفسر تلك القناعة الجديدة تصريح أردوغان بعد اللقاء أن حل الخلاف بين البلدين لم يعد في حاجة لتدخل طرف ثالث.

من هذا المنطلق جاء تحرك الدولتين للسعي نحو تسوية خلافاتهما خلال زيارة أردوغان الأخيرة كمؤشر على رؤيتهما لمستقبل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، حيث بدا واضحا أن تركيا واليونان تدركان حجم التحديات التي تواجه أوروبا والناتو خاصةً بعد مرور قرابة عامين على بدء الحرب الأوكرانية والتي لم تتمكن أوروبا أو الناتو من تحقيق أي اختراق فيها أو تحجيم لروسيا عسكرياً أو اقتصادياً كما راهن الكثيرون.

كما أن المؤشرات باتت واضحة على أن كلاً من اليونان وتركيا تنظران بقلق إلى مستقبل الناتو ودوره كمظلة عسكرية وأمنية لأوروبا فيما إذا تغيرت الإدارة الأميركية الحالية، ونحن على أعتاب انتخابات أميركية وشيكة، تتقدمها مؤشرات على تراجع شعبية الرئيس بايدن في ظل الدعم غير المشروط الذي تقدمه إدارته للكيان الصهيوني في عدوانه على غزة، وفي ظل ما يحققه منافسه ترامب من تقدم في استطلاعات الرأي منذ أن أعلن ترشحه للرئاسيات القادمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.