شعار قسم مدونات

وعاد التتار والمغول من جديد!

مع احتدام المعارك البرية بغزة الجيش الإسرائيلي يستعين بالدبابات القديمة من طراز "ميركافا-V3" التي أخرجت من خدمة سلاح المدرعات
الجيش الإسرائيلي يستعين بالدبابات القديمة من طراز "ميركافا-V3" التي أخرجت من خدمة سلاح المدرعات لاجتياح غزة (الجزيرة)

أتابع الأخبار المذهلة والأنباء المحزنة التي تجتاح قطاع غزة فأجلس أمام التلفاز مشدوها بما يفعله المغول الجدد صهاينة القرن الحادي والعشرين بإخواننا في فلسطين من قتل وتشريد وظلم وإبادة للرضع والأطفال والفتية والنساء والعجائز وللمدنيين بشكل عام، وهدم لكل حجر والتنكيل بكل البشر في غزة العزة، ينتقمون لهزيمتهم المرة في السابع من أكتوبر المجيد في عملية طوفان الأقصى التي قامت بها المقاومة الفلسطينية دفاعاً عن أرضها من المحتل، الذي تمرغ أنفه بالتراب وسقط القناع عن وجهه البشع المليئ بالحقد الأسود والكره للبشر وحبه للفساد في الأرض.

كأن التاريخ يعيد نفسه ويعود عصر الظلام على المسلمين عصر التتار والمغول الذي حطم الحواضر الإسلامية ونزع الملك من الخلافة العباسية التي كانت تئن من الوهن والضعف والتمزق والتشرذم كحال أمتنا اليوم "أقطار متعددة، وأنظمة متنوعة وطوائف متقاتلة".

صور الدمار الذي يحدثها الاحتلال الصهيوني بهذه المدينة الصامدة الصابرة، والطريقة والأسلوب الوحشي البشع الذي تُقصف به تجعلنا نشعر بأن عهد التتار والمغول قد عاد اليوم من جديد.. ونتأكد بأن الإنسانية تحتضر مع سكوت وتعامي النظام العالي عن هذه المجازر وغياب القيم والأخلاق وموت الضمائر. فترجع إنسان القرن الحادي والعشرين إلى حالته الحيوانية الأولى حيث يولد الإنسان كالحيوان مشبعا بغرائز الأكل والشرب والنوم والتنفس والإغارة على الآخرين، واغتصاب حقوق الغير. وصدق من قال: إن الإنسان يولد حيواناً ولا يصبح الإنسانُ إنساناً إلا بامتلاكه وتعلمه للأخلاق والقيم.

وكأن التاريخ يعيد نفسه ويعود عصر الظلام على المسلمين عصر التتار والمغول الذي حطم الحواضر الإسلامية ونزع الملك من الخلافة العباسية التي كانت تئن من الوهن والضعف والتمزق والتشرذم كحال أمتنا اليوم "أقطار متعددة، وأنظمة متنوعة وطوائف متقاتلة". حتى إن الخليفة العباسي المستعصم بالله الذي كان رمز الخلافة والمسؤول الأول عن أتباعها في ذلك الوقت، وكان عليه أن يعد العدة الكافية بما يمتلكه من سيادة روحية على جميع المسلمين؛ وبالتالي فهو مسؤولٌ عن أرواحهم وأمنهم وأمانهم، لكنه لم يفعل. رغم أنه كان على علم بتلك الأفعال الشنيعة التي ارتكبها المغول في بلدان ومدن المسلمين. إلا أنه ركن إلى الدعة وعدم الاعداد، وتوقع معاونة كل القوى الإسلامية له، لا سيما في بلاد الشام من الأيوبيين والمماليك في مصر. وتوقع أن الهجوم على بغداد سيؤدي إلى تمرد تلك القوى الإسلامية ضد المغول، ومناصرة الخليفة، فأخطأ في التقدير. لأن تلك القوى انشغلت بمشاكلها الداخلية حينها، أو حرصت على معاهداتها وعلاقتها مع المغول حفاظاً على مكاسبها، فلم تعر الخليفة وأحوال الخلافة أي اهتمام أو نجدة، كما هو الحال اليوم.

كان المغول مدركين لحال المسلمين هذا، لذلك أمعنوا بالتنكيل والاضطهاد لهم. وتقول الروايات التاريخية إن تقدم المغول إلى بغداد استمر وحاصروها واصطدموا بالجيش العباسي الضعيف الهش، الذي انكسر واندحر سريعاً نتيجة الطرق والأساليب القتالية التي استخدمها المغول في القتال، كإغراق شرق بغداد بالمياه، والفنون القتالية المختلفة التي لم يعرفها العباسيون من قبل، وكان المغول يحاولون إشاعة إعطاء الأمان للناس، فيجعلونهم يستسلمون، عندها يمعنون بهم القتل والتنكيل، مما أدى إلى اندحار الجيش المسلم بسهولة، وتقدم المغول في الحواضر المسلمة بسرعة.

الصورة اليوم تحاكي تلك الحقبة من التاريخ، بل هي أشد قتامة وأحلك ظلمة من زمن التتار والمغول. إذ تمر آلة الدمار الصهيونية على غزة فتعيث بها فساداً وخراباً ودماراً.

ونقل المؤرخون أن المستعصم كان يعتقد -وظهر هذا من خلال مراسلاته- أنه إذا قُتل الخليفة وسال دمه سينتفض الناس في كل الولايات الإسلامية وستقوم القيامة على المغول؛ وبالتالي فإن المغول يحسبون لذلك حساباً، فلن يستطيعوا أن يمسوه بسوء. إلاّ أن الذي حصل لما دخل المغول بغداد وحجزوا الخليفة قتلوه بوضعه في كيس، و رفسوه حتى مات، وبذلك لم يخرج الدم منه بل قتلوه خنقا.

الصورة اليوم تحاكي تلك الحقبة من التاريخ، بل هي أشد قتامة وأحلك ظلمة من زمن التتار والمغول. إذ تمر آلة الدمار الصهيونية على غزة فتعيث بها فساداً وخراباً ودماراً. فلا خليفة ضعيف واحد بل خلفاء، ولا شعوب عربية أو إسلامية موحدة، كلهم مشغولون بجراحاتهم وحروبهم بين بعضهم في أقطارهم، ومكبلون بمعاهدات دولية وعلاقات إقليمية مجحفة. يرون أبناء دينهم وجلدتهم وقومهم يقتلون في غزة والضفة فلا يستطيعون فعل شيء. وأصبحت مشاهد القتل والدمار شيئاً عادياً ألفوه، لا يحرك ضميراً لدى معظمهم ولا يرف لهم رمش، ولا يهرعون للنجدة والعون، ومقارعة المتعدي وايقافه عن قتل إخوانهم في فلسطين، والوقوف بوجهه وقولهم كفى. بل تجد بعضهم يدينون الضحية ويمعنون في منع شعوبهم من التحرك او حتى التعبير عن مشاعرهم في مظاهرات وندوات ومحاضرات فقط لنصرة إخوانهم. وكأن لسان الحال يقول كما قال الإمام القرضاوي في قصيدته الشهيرة (أفلسطيناً أم أندلسا) والتي أنشدتها في مجموعتي الإنشادية الأخيرة والتي كانت بعنوان (بالحب عائد أنا):

ما بال الأمة غائبة لا تملك غير لعل عسى .. مليار في التعداد ولا أثر ما ثار وما حمسا

ما سلّوا سيفاً أو رمحا للنجدة أو ركبوا فرسا .. ما صاحوا صيحة إنذار للغرب وما قرعوا جرسا

هانت أرواح بني الإسلام فكم تغتال صباح مسا .. وامعتصماه ولا بطلاً واسلاماه ولا قطسا

لا غضبة من حر شكس فمتى نجد الحر الشكسا .. من لي بخيول صلاح الدين تصد العدوان الشرسا

وتجيب فواطم قد صرخت ما ألفت حمزة أو أنسا .. يا جند الشر لقد فقتم فرعون ولم ترعوا قدسا

مهما كان من أمر تخجل الضمائر الحية والقلوب المؤمنة من أن ينام طفل فلسطين خائفاً جائعاً برداناً وبلاد العرب تعوم على بحار من الخير وبساتينها تخرج جميع أنواع الثمار

فإبادة البشر والحجر وتهجير الناس غاية العدو في هذه المعركة على غزة وهي بالغة العنف والشراسة حيث تتصاعد الهجمات الصاروخية مع تكثيف الأحزمة النارية في جنوب القطاع كما سبق في شماله، ومن الواضح أن هذا الانتقال من مرحلة لمرحلة من الشمال ثم الوسط ثم الانتقال لمنطقة الجنوب هو تأكيد للمضي قدما في سياسة التهجير التي تنتهجها قيادة العدو الصهيوني وتتماشى معها بعض الزعامات الدولية والعربية التي يجب كشفها وفضحها للملأ. فتصريحات بعضهم برفض تهجير الغزاويين لسيناء غير صحيحة وما هي إلا ضرب من الخداع والأكاذيب وهذا يتطلب منا جميعا جهوداً إضافية ونوعية، لإظهار الحقائق. فالمعركة بالغة الشراسة، والتهجير هدف واضح لها.

ومهما كان من أمر تخجل الضمائر الحية والقلوب المؤمنة من أن ينام طفل فلسطين خائفاً جائعاً برداناً وبلاد العرب تعوم على بحار من الخير وبساتينها تخرج جميع أنواع الثمار وجيوش أقطارها تعد بملايين الجند مدججة بأحدث الأسلحة المكدسة في المستودعات، ويقارب تعداد أبناء أمة الإسلام بمليارين ولكنهم غثاء كغثاء السيل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.