شعار قسم مدونات

نبوءة كاتب الظل

الكاتب: يحاول الباحث فك طلاسم الفكرة الناقصة التي وصلته لعله يكمل نصف دينها بنص يستيقظ عليه العميل في اليوم التالي ويرضى به (مواقع التواصل الاجتماعي)

نسمع منذ القدم قصص بيع بعض الشعراء قصائدهم، بل إن بعضهم قد يكتب القصيدة من أصلها بناء على طلب أحد الأشخاص منه، وهكذا دواليك. تواصلت تجارة المعرفة في عصرنا الحاضر بالباحثين الذين يكتبون للزبائن رسائل الماجستير والدكتوراه كاملة، ويتقاضون على ذلك مبلغا ماليا، بل إن بعض المكتبات توظف أشخاصا لكتابة بحوث وواجبات الطلاب والطالبات كما يريد المدرس والمدرسة.

وغير ذلك من القصص الكثيرة التي نراها أمامنا، والتي تُفتح فيها أبواب الأرزاق للباحثين والمُدققين اللغويين، وكُتّاب الظل البدلاء الأخفياء (الأشباح)، وغيرهم من أصحاب الأقلام على اختلاف مسمياتهم الذين ينشطون في مجالات الكتابة المتنوعة، ويقدمون المساعدة الأدبية لكثيرين ممن يقدمون لهم المكافأة المالية تقديرا لجهودهم في إنجاح رسائلهم الجامعية الأكاديمية، أو نشر كتبهم الثقافية للعلن، أو تحقيق التفوق في المسيرة الدراسية، أو إبراز منتجاتهم التسويقية والرفع من مستوى قيمة منشآتهم السوقية، إلى آخر ذلك من المميزات التي يقدمها هؤلاء الأخفياء الذين يعشقون البقاء في الظل خلف الكواليس لتبقى مسيرة أعمالهم رابحة مستمرة.

شاع ما يسمى "كتابة المحتوى" بوفرة في السنوات العشر الأخيرة بسبب أهمية وجود الهوية البصرية للمنشآت، وضرورة وجود الشركات بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي للوصول إلى جميع العملاء.

شاع ما يسمى "كتابة المحتوى" بوفرة في السنوات العشر الأخيرة بسبب أهمية وجود الهوية البصرية للمنشآت، وضرورة وجود الشركات بكثرة على مواقع التواصل الاجتماعي للوصول إلى جميع العملاء.

فقد أصبح التسويق ذا أهمية كبرى في تلك الشركات بدءا بالعناية بالعلاقات العامة، والكتيب التسويقي، ونوعية النشر المتنوع باختلاف مواقع التواصل الاجتماعي، وتحديد الجمهور المستهدف، وخدمات ما قبل البيع وأثناءه وبعده، والهاشتاغ المقترح، والجمل التسويقية الملهمة، وسيناريوهات إعلانات اليوم الوطني ويوم التأسيس في السعودية.

هناك العميل الذي يعطي للكاتب رؤوس أقلام تخص عملا مستعجلا، ويختفي، ويترك الأمر "لنبوءة كاتب الظل"! الذي يبقى حائرًا ساهرًا حتى يحتار معه "الكيبورد" والطاولة واللابتوب، ولكي يكسب الوقت يحاول فك طلاسم الفكرة الناقصة التي وصلته.

وغير ذلك من التفاصيل التي تبدأ بكتابة الفكرة، وتنتهي بكتابة كل شيء من أصغر التفاصيل إلى أكبرها، والتي تسببت بتأسيس وانتشار كثير من شركات كتابة المحتوى في السعودية، والتي أصبح بعضها مسؤولا عن كتابة المحتوى المحلي لمشاريع سعودية ضخمة.

وقد قابل هذا الانتشار الكبير انتشار كتاب وكاتبات الظل الذين يعملون لحسابهم الخاص لأسباب متعددة، قد يكون منها عدم حصولهم على الوظيفة في هذه الشركات، أو رغبتهم في العمل الحُر الشخصي في تجارة الكتابة لأسباب تخصهم، فيؤسسون مكاتبهم الخاصة في منازلهم، ويفتحون صفحاتهم التي يتصدرون بها على مواقع التواصل الاجتماعي، ويشرعون في البحث عن الزبائن الذين ينطلقون معهم في رحلة الكتابة بشغف كبير.

ورغم حبهم للعمل في الكتابة، وتفانيهم في رحلة القلم، فإن هناك بعض التحديات التي تواجههم مع العملاء، منها على سبيل المثال لا الحصر العميل الذي يأتي إلى كاتب المحتوى وهو لا يعرف ما يريد! فهذا مهما يُكتب له فلن يرضى، لأنه فاقد للبوصلة!

وهناك العميل الذي يعطي للكاتب رؤوس أقلام تخص عملا مستعجلا، ويختفي، ويترك الأمر "لنبوءة كاتب الظل"! الذي يبقى حائرًا ساهرًا حتى يحتار معه "الكيبورد" والطاولة واللابتوب، ولكي يكسب الوقت يحاول فك طلاسم الفكرة الناقصة التي وصلته، لعله يكمل نصف دينها بنص يستيقظ عليه العميل في اليوم التالي، ويرضى به.

هناك العميل الذي ينطبق عليه قوله تعالى (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) [هود: 86]، فيعتقد أن الكتابة السريعة والإنجاز الفوري سبب في بخس الكاتب حقه، ومنحه القليل من المال! ولا يدري أن الكتابة -كما بقية الأعمال والمجالات- عملية تراكمية عبر السنين.

وإذا لم تكن النتيجة الرضا، فهناك رحلات ترددية أخرى مملوءة بالإعادة والحذف والتعديل والإضافة، أو ربما كتابة العمل من جديد كاملًا! وعندما يناقشه الكاتب لا يجد مبررات مقبولة! بل هي حيرة العميل التي جعلت الكاتب يرتطم بالحائط، ويصبح رجاه أن ينتهي هذا العمل بسلام تُحفظ فيه حقوق الجميع، ويُقدر فيه مجهود الكاتب.

أما العميل الذي يحكم على العمل من دون أن يطلع عليه اطلاعا دقيقا فهذا العميل سبب في ارتفاع الضغط والسكر والصداع وجميع مكدرات الحياة، والغريب أنه يملك ثقة عجيبة بنفسه حتى يفاجأ أن ما طلب إضافته موجود أصلا في النص الذي لم يطلع عليه!

وهناك العميل الذي ينطبق عليه قوله تعالى (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) [هود: 86]، فيعتقد أن الكتابة السريعة والإنجاز الفوري سبب في بخس الكاتب حقه، ومنحه القليل من المال! ولا يدري أن الكتابة -كما بقية الأعمال والمجالات- عملية تراكمية عبر السنين، وتسهم خبراتها في إنجاز بعض الكتابة بشكل سريع لا يعفيه من منح حقه الذي يستحقه كاملًا.

ونختم بالعميل المتفهم الذي ينطبق عليه المثل الشعبي "أعط الخباز خبزه، حتى لو أكل نصفه" فيترك لأهل الاختصاص اختصاصهم، ويطالب فقط بتطبيق بعض الأفكار والتوجهات والمفاهيم (الخط التحريري) في النصوص المطلوبة، ثم يترك للكاتب (الخيط والمخيط) كما يقال، ليشرع في إتمام طبخة الكتابة، ويتجلى في تذوق سردية النص حتى يكتمل نضجه الأدبي، فيقدمه على طبق من قلم للعميل المتميز الجميل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.