شعار قسم مدونات

على هامش الجريمة الجنائية

Omran Abdullah - توافد الملايين مؤخرا على السينما لمشاهدة فيلم "الجوكر" ، مواقع التواصل - العدمية الساحرة وتجميل الجريمة.. التحولات الفلسفية التي أطلقت وحشية الجوكر"
الجريمة في رأي فلاسفة النفس والقانون الجنائي تعود إلى عوامل منها الجغرافيا (الجزيرة)

في الوقت الذي يفترض على البشرية أن تكون قد تحررت فيه من قبضة العشوائية ومنزلقات الفوضى، متجاوزة بذلك المراحل البدائية لحياة الإنسان، تلك العصور الظلامية وسماتها غير المنتظمة في حركة الحياة، والتي كان فيها الكائن البشري أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان، فيوصف بالقديم والمتخلّف والأولي وغير ذلك من النعوت المهينة، وأنه بفضل الحداثة والتنوير والتطور يكون قد ارتقى من وحل الرذيلة والجهل والغباء إلى جوهر الحياة ونور الحضارة؛ مؤسف للغاية بعد كل ما تقدم أن نرى ونسمع اليوم ما آل إليه السلوك الإنساني غير الطبيعي، فقد صار حديث الساعة في الإعلام والتجمعات البشرية، إذ يحظى بهذا القدر من نافذة الصحافة تحليلا وتفسيرا وقلقا على مصير الإنسانية في ظل هذا الانهيار المخيف للبنية الاجتماعية والتحول الغريب في حياة الفرد والمجتمع.

يعرّف الفلاسفة النفسيون الجريمة بأنها انحراف لاأخلاقي عن كل ما هو طبيعي من السلوك البشري، بحيث يترك أثرا مأساويا في الفرد نفسه وفي الحياة الاجتماعية عامة، وأنها نابعة من الرغبة المتجذرة للشر عند الإنسان حين تبلغ دوافعها حدها الأقصى، إذ لا يبقى للمجرم خيار غير تنفيذ رغباته تلك بعد أن تثور شهوتها فيتعذر عليه أو على الجهات المختصة قمع جموحه، فيكون المجرم لحظة الجريمة في حالة من التوحش والانهيار العصبي والجنون الذهني، فاقدا إمكانية ضبط انفعالاته أو التحكم بنفسه أو التفكير في مخاطر أفعاله، أو حتى النظر إلى الصلات والروابط والعلاقات الاجتماعية بينه وبين ضحاياه؛ لهذا تجد معظم ضحايا المجرمين أقرب الناس إليهم.

إن واقع الجريمة اليوم يأخذ منعطفا مخيفا يضيف إلى حياة البشرية تهديدا أخطر؛ حيث تشهد هذه الظاهرة تحوّلا غريبا بأدواتها ووسائلها ودوافعها ومن ثم ضحاياها الأبرياء، فلقد كان لها في السابق بيئتها وظروفها المحددة في الوسط الإجرامي بما يسمح للفرد بالتزام الحيطة والحذر، لكنها اكتسبت مناعة بتجاهل الجهات المسؤولة، وذلك ما أعطاها فرصة للتطور والتفشي المرعب وصولا إلى تدنيس الحرم الجامعي ومحاضن التربية والتعليم ودور العبادة، والأخطر من ذلك تسلّلها إلى العش العائلي الآمن، بعد أن كانت "شعبوية" لا تتجاوز الأسواق والغرباء وذوي الخصومة، الأمر الذي يضع حياة الإنسان والمجتمع على المحك ويجعل الجميع هدفا محتملا وضحية قادمة، ما لم يسارع المعنيون للحد من هذه الظاهرة التي تتطور من حين إلى آخر.

إن ما نشاهده اليوم من تحديثات لهذه المأساة في الوسط الإجرامي ينذر بكارثة اجتماعية، ويدفعنا إلى القلق على مصير الإنسان؛ فبوصولها إلى العش الأسري الآمن وولوجها الحرم الجامعي وتفشيها بصورة مفزعة لدرجة أنها صارت "موضة" تستهدف ضحاياها وفقا للنوع الإنساني ولا سيما جرائم استهداف النساء والطالبات تحديدا؛ تكون قد قوّضت نظام الحياة العام وهددت سكينة المجتمع ووضعت يدها الملطخة على كل بقعة تنعم بالهدوء والأمن، فتتسكّع في الشوارع وتنصب الفخاخ للأبرياء في كل مكان.

ولدى البحث في أسباب الجريمة ودوافعها نجد فلاسفة النفس والقانون الجنائي يعزون الجريمة إلى جملة عوامل، منها: الجغرافيا؛ فالبيئة والظروف والمناخ أمور تسهم في تعزيز الرغبة في ارتكاب الجريمة، وهناك من يعزوها إلى التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فالفقر والبطالة والخوف والفوضى تعدّ مخصبات للجريمة بشكل كبير.

ولا خلاف بين الباحثين في السلوك الإنساني أن الحالة السيكولوجية المضطربة للفرد عامل مهم في تنامي الرغبة الإجرامية عنده، وأن الأفراد الذين يعانون انفصاما شخصيا والفاقدين دفء المنزل والتكوين الأسري هم الأكثر عرضة واستعدادا لارتكاب الشر انتقاما أو تعبيرا عن وجودهم المفقود وشخصيتهم المهمشة في المجتمع.

إن وصول الجريمة إلى مستوى الخطورة والتهديد الاجتماعي يضاعف الواجب الملحّ على المعنيين أن يكونوا يقظين أكثر منها، وأن تتضافر جهود الجميع -على الأقل- للحد منها، حتى يطمئن الفرد على حياته وحياة أسرته والمجتمع من أن يكون الضحية القادمة، فواجب محاضن التربية والتعليم أن تولي اهتماما بالغا بالنشء نفسيا وصحيا وثقافيا وعلميا وفكريا، وأن تعمل على تحصينه من موجات الأفكار الشاذة التي تجرّده من أخلاقه وقيمه ومعتقداته وتقاليده؛ وذلك بالوعي والاحتواء وتعزيز قيم الخير والفضيلة لديه.

وتضطلع المؤسسة الإعلامية بدور مهم في مواجهة هذه الظاهرة، يتمثل في إعادة صياغة خطابها التنموي الهش وبرامجها الهزيلة ومحتواها العبثي؛ فهي أكثر وسائل التنشئة تقبلا ومتابعة لدى النشء، وتسهم إسهاما مهما في تشكيل شخصية الفرد وصياغة ثقافة المجتمع وأخلاقه وعاداته، التزاما وانحرافا، على أن القليل من محتواها الإعلامي غير الطبيعي كأخبار الحروب والصراعات ومسلسلات العصابات الإجرامية يستهوي النشء؛ نظرا لطبيعة الحياة وظروفها الدامية، وهو ما يترك أثرا سلبيا فيه على المدى القريب أو البعيد.

ومن ثم، فعلى تلك المؤسسات مراعاة فلسفتها الإعلامية بما ينتج فردا متزنا ومجتمعا طبيعيا صالحا للحياة.

أما الدور الأهم فيقع على عاتق الدولة وأجهزتها الأمنية، وقد قيل: "من أمن العقوبة أساء الأدب"، أي إن غياب سلطة القانون سبب رئيس في ضياع الأمن وانتشار الفساد الأخلاقي وتفشي الجريمة وتنامي الفوضى، وكذلك ضعف الدولة وأجهزة الضبط القضائي في تتبع أوكار الفساد ومنابع الجريمة -كتجارة المخدرات وأبواق الشذوذ وخلايا الإرهاب وجيوب العهر والانحلال الأخلاقي- يشجع المجرمين والهمجيين ويضاعف فرص حضورهم، وذلك يجعل المجتمع الإنساني عرضة للخطر وغابة موحشة تهدد حياة الجميع.

إن تجريد الفرد من أخلاقه وضميره ومثله من خلال دعوات الإلحاد والتمرد على نظام المجتمع وعاداته وتقاليده لا يرقى بالحياة خطوة ولا يلبسها حلّة المجد كما يتوهم أولئك النعاة، بل يترك المجتمع في حالة من الفوضى والنكد والضياع، ويزجّ بالفرد في قبضة الحيرة والقلق الوجودي والضياع، فينسي المرء معناه الحقيقي ويجفف وازعه الأخلاقي ويحلّ عنه مسؤولياته وواجباته، فينتهي به المطاف وحشا، متلبّسا بالشر، ناقما على نفسه وعلى الحياة كلها؛ فالفرد الذي لا يدرك قيمة وجوده ولا يجد معنى منطقيا لحياته من الطبيعي أن يكون مجرما أو شريرا، فضلا عن ظروف الحياة الاقتصادية المتأزمة، وظروف الطبيعة القاسية التي تفوق طاقته، ومتغيرات الزمن التي تفوق تصوراته وقدراته العقلية على تفسير جنون الطبيعة وأسباب البؤس وتعليل الصراعات البشرية، فحين يجد الفرد نفسه عاجزا عن تحرير نفسه ومجتمعه من استرقاق الفقر والبطالة والجفاف وفحش الأسعار وعناء الظفر بالعيش الكريم، فلا يبقى له خيار غير التصرف الجنوني لينهي حياته أو حياة غيره.

أخيرا: إن على المجتمع بكل مؤسساته وهيئاته المدنية وغير المدنية الشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الفرد بإصلاحه وتنمية قيم الخير والفضيلة فيه، والوقوف بجدّية أمام هذا التدهور المخيف لحياة الإنسان، واتخاذ كل وسيلة ممكنة في مواجهة خطر الجريمة، واستحداث برامج تربية واقعية تتناسب وطبيعة الحياة الراهنة، وإصلاح رسالة الإعلام، وتجديد الخطاب الديني ليجيب عن أسئلة الجيل المعاصر وحيرته ويحتوي أخطاءه ويوجّه قدراته نحو البناء والعمل، وإنشاء مراكز التنمية النفسية، وإيجاد فرص عمل للجيل تستثمر طاقاته وفراغه بدلا من تركه عرضة للفراغ والقلق، ومن ثم الانطواء والاكتئاب والانحراف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.