شعار قسم مدونات

عدنان مندريس شهيد الحرية لا الأذان

عدنان مندريس
رئيس وزراء تركيا الأسبق عدنان مندريس (الجزيرة)

30 يومًا كاملة أنتظر أن يؤبّن الكتّاب، كما كل عام، الرجل في الذكرى الـ61 على استشهاده، شهر كامل أنتظر أن يكتب، إلا قليل من الكتّاب "الإسلاميين"، عن الرجل الذي ضحى بحياته من أجل الأذان. ولما كان العالم منشغلًا بأحداث تحدد مصيره، لا سيما مع محاولات بعض القوى ترقية ما يحدث في أوكرانيا ليصل إلى مرحلة أكثر إثاره ينخرط معها العالم بأسره فيها، مع تهديدات بمجاعة أو وباء جديد، أو عودة وباء، فإن عدنان مندريس لم يجد من يذكره بما يليق هذا العام.

عدنان مندريس.. النشأة والتكوين

ورث عدنان مندريس مزرعة متوسطة في آيدن عن والده الذي لا يكاد يتذكره؛ فقد مات ولم يتعدّ عدنان 9 سنوات، تلقى تعليمه في مدرسة "الاتحاد والترقي" بإزمير، المعروفة بتوجهها الليبرالي، والتي كانت نواة لحركة "تركيا الفتاة" صاحبة الدور الأبرز في انهيار الخلافة العثمانية وتأليب الشعب على السلطان، ليكمل تعليمه في كلية الحقوق في أنقرة ليتخرج فيها في عام 1935، في ظل سيطرة كاملة "للكماليين" على الحياة التعليمية والثقافية في الجمهورية الجديدة. ومن المثير للاهتمام أن النضال الأول لمندريس من أجل الحياة السياسية بدأ داخل الأسرة، فبينما كان عدنان مندريس مترددًا في دخول السياسة، بسبب رغبته في الاهتمام بمشاريعه الزراعية في المزرعة التي ورثها، كانت زوجته السيدة بيرين، سليلة العائلة السياسية الكبيرة، راغبة في إدخال مندريس المعترك السياسي، فكان القرار بانخراط مندريس في الحزب الجمهوري الحر.

أسس مندريس فرعًا للحزب الذي قرر ممارسة السياسة من خلاله في آيدن، لكن الحزب سريعًا ما ضربته الخلافات واتخذ قرارا بحلّ نفسه، لينتقل مندريس إلى حزب الشعب الجمهوري، الحزب الذي أسسه أتاتورك، ويصبح نائبًا عن آيدن على قوائم الحزب، قبل أن يقال من الحزب بسبب معارضته لقانون طرحه عصمت إينونو رئيس الوزراء والحزب حينئذ، لتأميم جميع وسائل الإنتاج ومنها الأراضي الزراعية، مؤكدًا أن الحفاظ على الملكية الخاصة والإبقاء على حيازة الفلاحين سيؤمن إنتاجية أفضل، في حين أن الدولة وعصمت باشا -يقصد رئيس الوزراء- يمتلكون بالفعل ما يزيد على 70% من الأراضي في تركيا، والقانون ما هو إلا محاولة لترسيخ استفادة كبار المستثمرين على حساب المنتج الصغير.

في السابع من ديسمبر/كانون الأول 1945 أسس عدنان مندريس الحزب الديمقراطي مع أصدقائه الذين خرجوا من حزب الشعب الجمهوري، فؤاد كوبرولو ورفيق كورالتان وجلال بايار الذي أصبح رئيسًا للجمهورية بعد ذلك، ليدخل مندريس مرحلة جديدة من حياته السياسية فيها كثير من النجاحات وشيء لا بأس به من الإخفاقات.

لكن الدافع لما اتخذه من قرارات كان الحرية والتخلص من إرث دولة رأى أن ثلة من السياسيين والعسكريين يسيطرون على مقدراتها، فلم يكن صدامه في حزب الشعب الجمهوري إلا بداية لصدامات مع تلك القوة المتجذرة والمسيطرة على مفاصل الجمهورية الجديدة، فلقد فصلوها على مقاسهم، ومقاسهم لا يسع الشعب أو أي قوى أخرى، فرغم انتصار الحزب الديمقراطي وتولي جلال بايار رئاسة الجمهورية ومندريس رئاسة الوزراء، لم يسلموا من مكايد حزب الشعب والعسكر من ورائهم، ولم يفلحوا في تطبيق خططهم في مزيد من الانفتاح وتوزيع الثروة وتقعيد قواعد اقتصادية تفتح مجالات أرحب للمستثمرين الوطنيين ومن ثم الأجانب لضخ الاستثمارات في شرايين الاقتصاد المنهار.

وحاول بايار تهدئة الأجواء مع الدولة العميقة المدعومة من العسكر بتصريح قلب عليه وعلى حزبه الطاولة، فقد صرح بأنه "لن يحاسب على أخطاء الحقبة الماضية"، لكن تصريحه لم يهدّئ الدولة العميقة وعصمت إينونو والعسكر من خلفهم، كما أن التصريح قلب عليه شركاءه في الحزب فتوالت الاستقالات، وأسس المنشقون حزب الأمة بقيادة فوزي جاكماك وعثمان بولوكباشي، لتزيد الساحة معارضة بدلا من أن تنقص.

هل أعدم عدنان مندريس من أجل الأذان؟

في الـ17 من سبتمبر/أيلول عام 1961 نفذ حكم الإعدام في رئيس وزراء تركيا بعد محاكمة قصيرة لم تستوف شروط المحاكمات العادلة خلال تلك السنين، والشائع أن السبب الذي دفع إلى الانقلاب العسكري على حكومة الحزب الديمقراطي، ورئيس الجمهورية المنتسب له، والإطاحة بهم وإحالتهم على المحاكمة ثم الحكم عليهم بالإعدام هو قرار رئيس الوزراء عدنان مندريس إعادة الأذان باللغة العربية بعد أن حظره الرئيس المؤسس أتاتورك في عام 1931، لكن هل هذا هو السبب الحقيقي لإعدام مندريس ورفيقه، قبل أن يخفف الحكم عن الرئيس، جلال بايار، إلى السجن المؤبد لكبر سنه؟

لم يعلن مندريس يومًا من الأيام أنه إسلامي، فتاريخه الدراسي والاجتماعي والسياسي يؤكد أنه علماني وعلى خطى مؤسس الجمهورية التركية العلمانية، فالأحزاب التي انخرط من خلالها في العمل السياسي لم يشتمّ فيها غير رائحة العلمانية، لكن الرجل لعب لعبة السياسة واستقطب المهمشين، وشعر بنبضهم، فكسب ودّهم وكسب الانتخابات، فقد كان الأذان والمدارس الدينية منحًا انتخابية يكافأ عليها الناخب لمنحه صوته، فلم تشفع لمندريس ورفاقه في الحزب الديمقراطي الإنجازات الاقتصادية التي حققوها على مدى 10 سنوات، بل كانت نقمة عليه من قبل المنتفعين والمسيطرين من رجال الدولة العميقة والعسكر الداعمين لهم.

بدأت أزمة مندريس قبل أن يكون رئيسًا للحكومة، وقبل أن يؤسس الحزب الديمقراطي، أزمة مندريس ورفاقه بدأت مع التقرير الرباعي الذي نشره هو ورفاقه الأربعة من مؤسسي الحزب الديمقراطي لإزالة المواد المناهضة للديمقراطية في النظام الأساسي للحزب، ومن ثم من الحياة السياسية تمهيدًا لتعديل الدستور، وعندما ترى قرار "طرد" مندريس ورفاقه من الحزب، من قبل رئاسة الوزراء وديوان حزب الشعب الجمهوري، تجد أن حيثيته مبنية على دعوات مندريس هو ورفاقه لدفاعهم عن الديمقراطية في البلاد!

لقد كان مندريس مدافعًا شرسًا عن حرية الصحافة وقاتل من أجل تعديل المادتين الـ17 والـ50 المقيدتين لحرية الصحافة، وهو ما رآه الحزب انقلابًا على متخذي القرار ومن ثم القيم الجمهورية الجديدة التي يرون أنها ملك لهم، فلا يجوز التعرض لما يسطّرونه من قرارات أو انتقاد ما يتخذونه من تصرفات، ولعل هذا السلاح الذي بقي في أيديهم من سيطرة على الصحافة وحرية الكلمة هو ما أوصل مندريس ورفاقه إلى منصة المحكمة الصورية التي قررت أن يطلق الجنود الذين خانوا الشعب وانقلبوا على إرادته رصاصاتهم على صدر مندريس ورفاقه، إذ بثوا أخبارا عن وقوع احتجاجات بين الطلاب في أنقرة وضخموا الأحداث حتى كبرت كرة الثلج وانضم مزيد من الطلبة إلى الأحداث على إثر ما تنشره الصحافة، واضطر مندريس إلى النزول بنفسه وسط هيجان الطلاب ليوضح الأمر بعد أن افتقد أداة تبيّن موقفه وتنقل الحقيقة، ويذكر مرافقون أن طالبًا من الغاضبين شاهد مندريس فأسرع إليه ولفّ يده حول عنقه محاولًا خنقه، فسأله مندريس: "ماذا تريد؟" فأجاب الشاب: "أريد حرّية"، فرد مندريس:

"أنت الآن تلف يدك حول عنق رئيس الوزراء..

هل توجد حرية أفضل من هذا؟!".

كان مندريس يعرف معنى حرية الصحافة، ويؤكد أهميتها، ويعمل على خلق جيل من الصحفيين يمارس دوره في الرقابة والانحياز للشعب، وفي المقابل كان الدكتاتوريون والانقلابيون يعرفون الداء ويحضرون له الدواء، والدواء في كمّ الأفواه وتزييف الحقائق متمثلين قول فرعون لشعبه:

﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].

وسائل الإعلام التي سيطر عليها الدكتاتوريين مهدت للانقلاب على عدنان مندريس الذي أعاد الاعتبار لتركيا وطوّر من اقتصادها وقوّى جيشها المنهار وجعل أوروبا تسعى إليه، بعد أن أبلى جيشه بلاء حسنًا في حرب كوريا، دفعها إلى ضمّه لحلف "الناتو"، وسائل الإعلام التي سيطر عليها الدكتاتوريون أذاعت خبرًا بأن الشرطة قتلت شابًّا في مظاهرة في جامعة إسطنبول بأمر من مندريس، وأن مندريس أمر الشرطة بجمع المعارضين والطلاب وفرم لحمهم في مفرمة وألقاه في الشوارع.. وهو ما أثار ضجة كبيرة في تركيا، ولم تُكتشف حقيقة هذا الادعاء الكاذب إلا بعد انقلاب 1960.

لماذا كذبوا علينا طوال هذه المدة؟

تشمل حقوق الإنسان الحق في حرية التعبير عن الآراء والأفكار، وبدأ الحرص على تأكيد حق حرية التعبير مع إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا كثمرة للثورة الفرنسية، وقد شكل أساسا لأول دستور مكتوب لفرنسا في 1791، لتعزز الفكرة في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، ثم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ويتمثل الحق في التعبير بطرق متعددة، منها على سبيل المثال: الاحتجاجات والمظاهرات العامة أو من خلال المقالات أو الكتب أو في الأعمال الفنية، والبث الإذاعي والتلفزيوني، وأخيرا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا المبدأ هو ما بنت عليه كليات الإعلام والصحافة في العالم هوية منتسبيها، وزادت عليه أن الصحفي يمثل سلطة رابعة بعد السلطات الثلاث المستقرة في العلوم السياسية التي أسس لها مونتيسيكيو لبناء الهيكل السياسي التنظيمي للدول، فالصحفي صاحب حق حرية التعبير يمثل الشعب وينحاز إليه في الطبيعة، ومن ثم يؤدي أدوارا مهمة في مجتمعه أولها وأهمها بناء الوعي الجمعي، وأداء دور العدسة التي يراقب من خلالها الشعب السلطات الثلاث.

ووفقا لتقارير "مراسلون بلا حدود"، فإن ثلث سكان العالم يعيشون في بلدان تنعدم فيها حرية الصحافة، أو في دول ليست فيها نظم أو توجد بها عيوب في العملية الديمقراطية، وتشكل حرية التعبير إشكالية كبيرة لتلك الأنظمة، لا سيما أن التحكم في الوصول إلى المعلومات متحفظ عليه، ويعدّ من الممنوعات، ومن ثم فإن تلك الأنظمة تنفق مئات الملايين من الدولارات سنويًّا على أجهزة أمنية تراقب هذا الحق وتحدّ منه، حتى بلغ الحال أن أصبحت الرقابة مدنية، من خلال وضع رقيب فيما عرف في بعض الدول بالمصنفات الفنية، أو الرقابة على المصنفات الفنية، ليتوسع الأمر أخيرًا مع انتشار الحواسيب والإنترنت إلى استخدام أجهزة عالية التقنية لتتبع أصحاب الرأي، حتى صارت المؤسسات الصحفية نفسها وتحت ضغط الأمن والمواءمات هي الرقيب، بعد أن استطاعت الأنظمة السلطوية أن تفرض سلوكًا أصبح فيه رقباء الصحافة ملكيين أكثر من الملك.

قد يتفهم الصحفي السياسة التحريرية للمؤسسة التي يعمل فيها، والتي غالبًا ما تكون مقيدة بقيود تفرضها الدولة أو يفرضها الممول، وغالبًا ما تفرض هذه القيود وتتبدل بحسب الحال والظرف والعلاقات والمصالح، إلا أن حدود تلك القيود هي ما يدفع إلى الحديث عن المهنية والحيادية والانحياز للشعوب، ويزيد السؤال إلحاحًا إذا ما رفعت تلك المؤسسات شعارات الانحياز للشعوب والحق والخير والجمال، تلك المباحث التي تنظر فيها الفلسفة في مثلها العليا وقيمها المطلقة.

يبدو أننا في عالم لم تعد الكلمة تحتمل، على الرغم أن الشعوب لا تملك في زماننا هذا إلا الكلمة. لكن، يبدو أن الكلمة أيضًا أصبحت ثقيلة على الأنظمة ومن يدور في فلكها، لذا فعلى الشعوب أن تبحث لها عن فضاء غير المؤسسات الصحفية لتعبر به عن نفسها، فالشارع لا يحتمل المتظاهرين والصحف لا تحتمل الصحفيين، ولأن الصمت لا يصيب الأحرار فإن البدائل ممكنة والفضاء أرحب من أن يقيّد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.