شعار قسم مدونات

أين مشروعنا؟

خريطة الوطن العربي
خريطة الوطن العربي (الجزيرة)

تقوم الدول وتنهض بمجموعة من الأسس والعوامل الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية، وبما تمتلكه من علم ومقومات وقيادات وخطط ومشاريع، تمكنها من الانطلاق بحرية واستقلال، ومن نقاط قوة بعيدة عن الارتهان والتبعية.

وإن من الغباء أن ترتهن الدولة لدولة أخرى، أو تعتمد عليها وتسلمها قرارها، لقد أثبتت التجارب والواقع ورأينا بأم أعيننا كيف أن الثانية تتعامل مع الأولى، كمزرعة أو تجعل منها ساحة للصراع لتحقيق مصالحها.

اليوم الجميع لديه مشاريعه الخاصة، الغرب لديه مشروعه، وروسيا لديها مشروعها، والصين والهند وإيران، ودولة الاحتلال الصهيوني كذلك، جميع هؤلاء يسعون لتنفيذ مشاريعهم وفق خطط ممنهجة. حتى الآن يبقى المشروع الأهم والغائب الذي تتصارع كل المشاريع الأخرى على أرضه ومن أجل تجريف ثقافته وسرقة ثرواته، وتدمير أجياله، هو المشروع العربي المبني للمجهول. لا يوجد مشروع عربي، رغم الأخطار والتحديات التي تهدد المنطقة العربية من أكثر من مشروع، والأنكى من ذلك أن الوطن العربي بسبب غياب مشروعه أصبح مزرعة وحقل تجارب وساحة صراع للقوى والمشاريع الإقليمية والدولية.

أحداث متسارعة وتطورات كبيرة يشهدها العالم اليوم، ستفرض واقعا جديدا، وترسم خرائط جديدة، والدول العربية نائمة لم تستيقظ بعد.

يبقى السؤال إلى متى الارتهان والبقاء في ذيل القائمة؟

أين مشروعنا؟

إن غياب المشروع العربي الرسمي لا يجعل الدول العربية في ذيل القائمة فحسب، بل يجعلها مهددة وآيلة للسقوط بأي لحظة. ويفسح المجال للدول الأخرى ومشاريعها السياسية والاقتصادية والطائفية موجودًا، لتهديد أمن واستقرار واقتصاد الدول العربية برمتها، بل والنسيج الاجتماعي، ولعل ما جرى ويجري في أكثر من بلد عربي لا يحتاج إلى مجهر لإثبات ذلك، وقد يكون الآتي أكبر وأكثر اتساعًا، فيما لو استمرت السياسات العربية الرسمية هامشية، وفردية الحركة والحراك، ولا تنتمي إلى أي مشروع متماسك يحميها، ويعرف تمامًا كيف يواجه ذاك المشروع الآخر الخطر واستطالاته وأدواته في المنطقة من دول لقيطة وأخرى متربصة، زرعت كيانات طائفية، ومليشيات مسلحة، لتقويض كل ما هو عربي وإسلامي.

وسوف يدرك الجميع عاجلًا أو آجلًا وبعد حين (أنهم أُكلوا جميعًا يوم أُكل الثور الأبيض) في البلدان العربية التي أُسقطت بيد المشروع الطائفي أو الاحتلال العسكري أو الارتهان السياسي.

إن من أبرز التحديات التي تحتم وجود مشروع عربي وإسلامي، لمواجهة المشاريع التي تهدد الدولة والمجتمع والفرد بل والوجود والمصير العربي والإسلامي ككل، 4 مشاريع، في مقدمتها المشروع الطائفي، والاحتلال العسكري، والنفوذ الدولي والتبعية، والضعف الاقتصادي.

ولعل من أخطر هذه المشاريع، هو المشروع الذي يلبس ثوب الدين وعمامته، مشروع خطير وخطير جدًا، ويعمل بروية وحنكة ونفعية براغماتية، والمشكلة أن الكثير من المشاريع الأخرى بمختلف توجهاتها، قد تركت له المجال مفتوحًا، وقد أثبتت التجارب والأحداث أنها ليست صادقة في عملية لجم تمدد المشروع الطائفي في المنطقة العربية، بل لم يعد هناك شك في أنه بات من ضمن مصالحها ومن جملة أهدافها السماح بتوسع تمدد أخطار الأخطبوط الطائفي لتحقيق المزيد من الارتماء العربي الرسمي في أحضان المشاريع الأخرى، وربيبتهم في المنطقة.

وإذا كانت المنطقة العربية لم تستفق بعد من غفوتها، ولم تُدرك كُنه المشاريع الأخرى بمختلف أصنافها وتوجهاتها السياسية والفكرية والاستهلاكية والطائفية، فإن الكثير من المسائل لا بد أنها ستسهم في استفاقتهم المتأخرة، ليعرفوا كيف يتعاملون مع أخطار التمدد الطائفي في المنطقة، ونذكر منها:

سقوط عدد من البلدان العربية بيد المليشيات المسلحة، ودعم تلك المليشيات بالأسلحة، لضرب البلدان العربية وتمزيق نسيجها الاجتماعي، واستنزاف اقتصادها، وتجهيل أجيالها، والزج بالأطفال والشباب في معاركها الطائفية، وليس هذا فحسب، بل تزويدها بالأسلحة الخطيرة، كالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة لتصل يد عبثها وتستهدف بلدان عربية أخرى وتقصف الأعيان المدنية والمواقع الإستراتيجية الاقتصادية بالصواريخ والمسيرات التي حصلت عليها من حاملة المشروع الطائفي، وبتعاون المشاريع الأخرى، لتحقيق أهداف أخرى، ومزيد من التطويع والانصياع، ولولا غياب المشروع العربي الجامع وحضور المشروع الطائفي، والسلاح النوعي الذي يقدمه لأذرعه لَمَا استطاع شذاذ الآفاق ولصوص الأرغفة فعل ذلك.

توسع انتشار الكيانات والتنظيمات المسلحة -خاصة تلك التي ولدت من رحم المشاريع الأجنبية والدخيلة ودعمها للقتال بالوكالة نيابة عن أسيادها في الخارج- حتى أصبحت خنجرا في خاصرة المنطقة العربية، ومن يظن أنه بعيد عن خطرها ويستطيع ترويضها بالدعم المالي أو الإسناد السياسي لتجنب ضررها أو لتصفية حسابات خصومة السياسيين، فهو أضل من حمار أهله.

مشاريع التقسيم المركزة على قضم الجغرافيا العربية ورسم خرائط جديدة -تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ- عبر تغذية المناطقية، والأذرع والأدوات الانفصالية على شكل حركات وكيانات وأحزاب، وأبواقها في المنطقة، والهجوم الإعلامي الكاسح ضد سياسات الدول العربية أو الإسلامية، والسماح لبعض الكيانات اللقيطة التابعة لهذا المشروع أو ذلك، بعقد اجتماعاتها في عواصم عربية أو إسلامية أو دولية وفتح معسكراته لتدريب عناصر تلك الكيانات اللقيطة في ظل غياب وتغييب المشروع العربي، وهيمنة المشروع الطائفي والغربي على كل تحركات حكومات تلك الدول التي أُسقطت وأصبحت مطية للمشروع الطائفي.

التضييق على بعض الدول العربية في الجانب الاقتصادي، عبر دعم دول أخرى لتضييق الخناق على دول عربية أو إسلامية معينة، بتنفيذ مشاريع غير شرعية بمسميات وشعارات التنمية، هدفها الحصار الاقتصادي وتجويع الشعوب، وعلى سبيل المثال لا الحصر، منع وحرمان بعض الدولة من حقوقها المائية سواء في الأنهار أو البحار، من خلال دعم دولة معينة لبناء السدود الكبرى على حساب حقوق الدولة العربية التاريخية في مياه الأنهار. وقد تجلى هذا المشروع في دعم تلك القوى إثيوبيا لبناء سد ما يسمى "النهضة " في انتهاك وتهديد واضح وخطير لحق مصر والسودان، كذلك منع دول عربية من الاستفادة من الثروات البترولية والغازية الموجودة في حدودها البحرية.

ماذا يجب أن نفعل وما الذي يجب أن يحمله هذا المشروع؟

من المفارقات هنا أن تمتلك الدول العربية مساحات زراعية واسعة بمساحة قارة، بل تستطيع مساحة دولة عربية الصالحة للزراعة أن تحقق الاكتفاء الذاتي في الغذاء لجميع الدول العربية. ومع ذلك الكثير من الدول العربية تستورد القمح وتعتمد اعتمادا كليا على الاستيراد من الدول الأخرى. قمة المفارقة أن نمتلك أراضي زراعية بمساحة قارة، وأنهارا وثروات مائية هائلة، ويموت أطفالنا في اليمن والسودان والعراق وسوريا والصومال وموريتانيا جوعا.

حاجتنا إلى الزراعة، زراعة أرضنا وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء، وهو ما يتطلب وجود مشروع عربي يعمل على تفعيل التعاون والتكامل بين الدول العربية في المجال الزراعي، حيث يمكن تحقيق الاكتفاء الذاتي والتصدير، فإذا كانت مساحة الدول العربية الصالحة للزراعة تستطيع أن تنتج من القمح بما يكفي حاجة الشعوب العربية وحتى الإسلامية. وبتحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء، تكون الدول العربية والإسلامية قد ضمنت مصدرا أساسيا وحيويا ظل يستنزف اقتصادها ويهدد أمنها الغذائي.

قطاع التعليم والبحث العلمي، ظلت ولا تزال الدول العربية في ذيل القائمة في جانب من أهم الجوانب الموصولة للتنمية والنهوض والتحرر والريادة، وهو ما يدعو إلى وجود مشروع عربي للاهتمام بالتعليم والجامعات والبحث العلمي، وبناء إستراتيجية شاملة على مستوى الدول لإصلاح التعليم العربي والاهتمام بالبحث العلمي، وتبادل الخبرات وإعداد البرامج وتفعيل الدور التربوي للمدرسة والجامعة لتصبح مؤسسات فاعلة تساهم مخرجاتها في تحقيق التنمية والنهوض والريادة.

ليس من الصواب أن تظل الجامعات العربية خارج المعادلة والريادة على المستوى العالمي، حان الوقت أن تعيد الدول العربية النظر في سياسة التعليم والبدء بإصلاح مناهجه ومؤسساته وأنشطته، وزيادة ميزانية التعليم والبحث العلمي، وتوفير الدعم للعلماء الباحثين وللطلاب في الجامعات. وتوفير البيئة التعليمية الجيدة في المدرسة والجامعة لتتحول مدارسنا وجامعاتنا إلى صروح علمية ومنارات علمية على مستوى مدارس وجامعات العالم.

المشروع النووي، استثمار الطاقة النووية للأغراض السلمية، من المفارقات العجيبة أنه لا يوجد دولة عربية واحدة تمتلك محطة نووية للأغراض السلمية، رغم حاجتها الشديدة لذلك، من غير المقبول أن نصف سكان وطننا العربي أو يزيد في العتمة في وقت وصل العالم إلى الفضاء. ألم يحن الوقت للبدء في هذا المشروع والاستفادة من الخدمات الكثيرة منها مثل توليد الكهرباء، الذي نحن بأمس الحاجة إليه.

تنويع الموارد وعدم الاعتماد على مورد واحد، ضرورة لبناء الاقتصاد القوي، ذلك أن الاقتصاد القوي هو الذي يعتمد على أكثر من مورد وليس على مورد واحد فقط، كما هو حال الكثير الاقتصاد العربي اليوم المعتمد بنسبة كبيرة على النفط مثلا. ولعل من مميزات الوطن العربي هو تعدد موارده، فهناك الدول الغنية بالماء والدول الغنية بالمنتجات الزراعية ودول غنية بالثروات المعدنية ودول غنية بالثروة السمكية ودول غنية بالأيدي العاملة، ودول غنية بالثروة الحيوانية.

ومما سبق نتبين أهمية وجود مشروع عربي وعربي إسلامي يضمن تحقيق التنمية العربية والنهوض العربي، وحفظ وحماية حقوق الدول العربية أو الإسلامية واستثمار الموارد والطاقات، وتفعيل التعاون والتكامل العربي والإسلامي وردع أي تهديد من المشاريع الداخلية الدخيلة أو العابرة للحدود.

اليوم أكثر من أي وقت مضى نحتاج إلى امتلاك القرار والريادة والنهوض والتحرر من التبعية والارتهان، الصناعات العسكرية، يجب أن يكون ضمن أولويات المشروع العربي بناء قوة عسكرية رادعة تردع المشاريع الظلامية التي تعبث أو تحاول أن تعبث بأي دولة عربية، ومن أبرز هذه الصناعات التي يجب الاهتمام بها على سبيل المثال لا الحصر، الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، والطائرات المسيرة بمختلف أنواعها الهجومية والاستطلاعية، وحتى نحقق ذلك يجب أن نعمل على عدة أمور:

  • إرادة سياسية صادقة، ورؤية وطنية عربية وإسلامية شاملة.
  • تعليم مستمد من ديننا وثقافتنا، يلبي طموحات وحاجات المجتمع، ويواكب التحديات، ويعد القيادات.
  • زراعة أرضنا وتحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء.
  • إنتاج الدواء وصناعة السلاح.
  • القضاء على التيارات الطائفية والعنصرية المسلحة التي زرعت في جسد بعض مناطقنا، وأصبحت كالسرطان يجب استئصاله.

أخيرا إن هذه الحروف ليست دعوة لإعلان الحرب على أحد، وليست أحلامًا وردية بعيدة المنال، وإنما دعوة صادقة لإعادة النظر في تقييم علاقاتنا مع بعضنا البعض، وتصحيح مسار سياستنا الداخلية والخارجية، والبدء بمرحلة جديدة من الإصلاح السياسي والوعي المجتمعي، لخدمة مجتمعاتنا ومصالحنا وحماية أمننا القومي.

لدينا إرث ثقافي وفكري، ولسنا بحاجة إلى ثقافات معطوبة تقدس التدجين وتشرعن التكفير، وتبرر الارتهان والتبعية، ولدينا ثروة بشرية في مختلف المجالات، ولدينا مقومات النهوض، مساحات زراعية كبيرة بمساحة قارة وأنهار، وثروات متنوعة نفطية وغازية وبحرية، وكوادر بشرية مؤهلة في مختلف المجالات.

إن المشروع العربي والإسلامي هو مشروع سلام وبناء وتنمية ونهضة ومحبة، لا يستهدف أحدًا، وليس موجهًا ضد أحد، ولا يسعى للحرب مع أحد.

نحب السلام ونمجده ونحرص على تحقيقه، لكن سلام الأقوياء والندية والاحترام المتبادل، لا الخنوع والتبعية، لسنا عبيدًا لأحد حتى تساق شعوبنا كالقطيع، وليست أوطاننا مزرعة لأحد حتى يتصرف فيها الغريب كيف يشاء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.