شعار قسم مدونات

المجد للتفاهة

كيف تسللت الكلمات العربية إلى لغة الشباب الفرنسي؟
عالمنا العربي يعاني من مشكلة في هجرة العقول وتغيير الثقافة وقطيعة دامية بين الحرية وبين النظم السياسية الحاكمة (شترستوك)

أعلم أن هذا الموضوع سيموت في مهده؛ فقدَره أن يأتي في وقت يعادي فيه الإنسان نفسه، وفي واقع لا يأخذ سوى السخافة على محمل الجد ناهيك عن أن القراءة تشكل معضلة للكثيرين، عصر تسلط فيه الخمول والرتابة والنمطية وأصبح المجد فيه للإيجازِ حتى وإنْ كان الإطناب ضرورة فكثيرا ما تنال الأشياء الرديئة والسخيفة حُظوة وشهرة وحضنا دافئا وبوقا تسويقيا يقدمها للعامة بصورة لامعة وشكل ماتع.

وما الغريبُ في هذا؟

نحن أمة تتتلمذ على يد غيرها في غالبِ حياتِها، وكأن مستقبلَها مرهون بحجمِ ما تتقبله أو تنتجه من تفاهة وابتذال، فهي لا تخلص لغيرِ هذا الأداء ولا تستشرفُ غير مصير بائس لا يزيدها إلا غرقا في وحل التفاهة والرداءة مادام يضيف لها بعدا ماديا إلى حد ما وقبولا عند الآخر، فلا غرابة في نزعتها للشعبوية ودهشتها بكل ما يلبي طموحاتها الدونية من الهزل وملء فراغِها من الفراغ ذاته.

وهي -في الوقت نفسِه- أمة تعيش صراعات التحرر من واقعها البائس ومستعدة لبذل أيّ شيء يحررها منْ سندان الثقافة الدينية الهشة ومطرقة الليبرالية التي لا تفتأ تقمع جموحها للجمال والفن وأي منتج راق يحترم وجودها وأصالتها وتراثها ومستقبلها المنشود، بل للحياة اللائقة بها أو إعادة علاقاتها مع تراثها العتيق؛ ما يجعلها بيئة خصبة لتقبل أي فكرة غريبة مهما كانت همجية بذيئة ساقطة، فانتشر الفن الهابط والأدب الهش وسادتها ثقافة القطيع وتجمهر السواد الأعظم من الناس حول التفاهة في احتشاد غريب باعتبارها فاكهة العصر الشهية والبوتقة الأنسب لاحتواء البشرية عامة والعربية خاصة.

لقد تشكل واقعنا بصورة عجيبة جدا؛ فبقدر ما تكون الأشياء تافهة أكثر بقدر ما يكون لها رواج وحضـور وتقبل أكبر، مlا يعني أن مستوى الأفكار والثقافات في التفاهة هو ما يحدد حجم جمهورِها وكثافته وطبيعته؛ لهذا من الطبيعي أنْ تضمن الأشياء الرخيصة قيمة ضخمة ما دام جمهورها يتمتع بهذا الحجم من الرداءة والبؤس والجهل والغباءِ، وهـو جمهور يشكل مكسباً وربحاً وفيـراً وبقرة حلُوبا لتجار المحتوى الرديء؛ فمعظم الأشياء السخيفة كانت وستظل سخيفة محشورة في زاويتها الضيقة لولا هذا الجمهور الغجري المتسامح مع أي فكرة أو فن أو أداء أو منتج تافه.

لقد نجحت الأجندة الخفية لهذه الفكرة في إذابة شخصية الفرد خاصة والمجتمع، بل والأمة بأسرها في صهريجِ التفاهة، وألبستها قبعات خيالية صغيرة هكذا بحجم مستواها الرديء فكرا وثقافة، على أن أفظع آثارها تتجلى في تسطيح الفكر والثقافة والمعرفة، بتغييب الوعي الإبداعي منها وسلطنة الهش والرديء، ولا سيما في عالمنا العربي الذي يعاني أساسا مشكلة في هجرة العقول وتغيير الثقافة وقطيعة دامية بين الحرية وأبعادها وبين النظم السياسية والقوانين الاجتماعية الحاكمة.

فابتداء بتهميش المعرفة وانتهاء بتقزيمِ خصوصية الأمة وسيميائيتها، دافعةً إياها للتقليد والعصرنة والحداثة بطريقةٍ غبية ساذجة، بعد أن زينتها بهالة من الجماليات السطحية، استطاعت هذه الأجندة ترسيخ دعائم الابتذال والعادية والشعبوية في حياة الجيل على نحو غريب للغاية.

فاللغة عُقدة، والهوية وهم والمحافظة راديكالية والانفتاح الغبي تحضر والتمرد على القيم والمُثل فلسفة وثورة وتنوير.

ثم ماذا؟ بمرور الوقت تغيرت صورة الحياة لدى الفرد الواقع تحت تأثير هذه الدعاية؛ فانخرط في متاهة شائكة من الضياع، متجردا من هويته وخصوصيتِه ولكن في بوتقة الوهم الإعلامي العالمي، فلا هو حافظ على نفسِه ولا هو بالذي حقق شيئا ملموسا في سوق الحضارة، نجح نظام التفاهة في تغيير شخصيتنا إلى ما يشبه الجمود العقلي وفقدان الذائقة، وانهيار منظومة قيم الأشياء لدينا، وبما ينُمُّ عن بؤس وقلة حيلة لا نكاد نفرق بين رديء الإنتاج من جيده، بل أصبح الجيد منبوذا مشوها والرديء مستحسنا ومرغوبا وهو الوعي السائد، تماما كاللغة التي تشكل هوية الأمم وشخصيتها، وهنا صار كل شيء مقبولا عدا أن تكون مفكرا حرا لا تخضع لأي هيمنة.

أما على المستوى الإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي فالكارثة تظهر جليا وبما لا يدع مجالا للشك في أننا شعوب لا مستقبل لها في غيرِ المصحات النفسية؛ فمستواها تحتَ خط الجهل والانحطاط والغباء، وهي نتيجة حتمية وأثر طبيعي لكل من يدب تحت أضواء الحضارة الخافتة بغير بصيرة.

ثم إنها بهذا تقطع عن الفرد والمجتمع الطريق إلى الحياة الكريمة وتغلق أمامه كل نافذة يتنسم منها هواء الحرية الحقيقية وعبق الإنسانية المستقلة، فتحدد له شخصيته وترسم له آفاق حاضره وأبعاد مستقبله، تفكر عوضا عنه وتبرمجه وفق نظامها ورؤاها حتى تضمن بناء مجدها على أنقاض شعوب وقعت في فخ معَـدٍّ بإحكام.

أعتقد أنه من الصعب والمشكل تحرير هذه المجتمعات من هذا الحضيض وانتشالها من وحل التفاهة والرداءة؛ فالعملية تتطلب صلابة وتحديا وجرأة وكفاحا؛ إذ قد يستمِر خوض هذه المغامرة لوقت ليس بقليل؛ فتحرير البشر قد لا يكون في تغيير النظم السياسية بقدر ما يكون في تحريرهم من أفكارهم الغبية واعتقاداتهم البالية وثقافاتهم الساذجة، فالوعي أهم ركيزة في بناء الأفراد والمجتمعات ثم تنمية الحس النقدي والمعرفة الحقيقية التي تضمن ارتفاع منسوب الجودة والحقيقة وانحسار التفاهة والابتذال.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.