شعار قسم مدونات

ظاهرة الاغتراب في القصيدة اليمنية

جانب من مزارع المانجو والموز بمزرعة جنوب غرب اليمن
يصور الشاعر اليمني الأهل بأنهم الحياة الزراعية التي عليها مدار عيشه، وهي -في الوقت نفسه- ذات بعد إنساني جميل (الجزيرة)

كان على الأدب الغنائي في اليمن منذ عقود أن يسير جنبا إلى جنب مع الإنسان اليمني البسيط، مستلهما من معاناته ومختلف أحواله أفكاره ومضامينه الأدبية، إذ وجد هذا اللون من الشعر إقبالا وترحيبا واسعين في الوسط اليمني لتناوله ما يلبي احتياجات الناس الروحية والنفسية، ويصور هموهم وآلامهم وآمالهم وأحاسيسهم المتعبة.

لقد استطاع معظم شعراء تلك الحقبة النفاذ إلى أعماق النفس اليمنية، وانتزاع صورتها وضجيجها والإحساس العميق بمأساتها؛ لهذا كان من الطبيعي أن يلد الأدب شعرا روحيا بسيطا عميقا يعكس البيئة، وتبرز فيه ظواهر اجتماعية طالما أرّقت الإنسان وكدّرت صفوه وشكلت شخصيته غير الاعتيادية.

وكان للشعر الغنائي حظوة في الوسط الفني آنذاك، إذ تشربه جملة من الفنانين وتلقوه بشغف، فانطلقوا فاتحين للحياة أبوابا جديدة استشف من خلالها الإنسان اليمني البسيط روحه ونفسيته حين وجدهما حاضرتين في دفء تلك الأغنية.

"ارجع لحولك".. أكثر من عقدين على ميلاد هذه الأغنية، أستعيد الآن ترانيم العجائز والنسوة اللاتي كن يرددنها في الحقول والطرقات والخلوات وشدت بها الألسنة وسارت بها الركبان، وهي للشاعر الكبير عبد الكريم مريد، شاعر يمني من مواليد التواهي محافظة عدن سنة 1943 م.

فبعد أن أرهقت ظاهرة الاغتراب الإنسان اليمني مدفوعا بواقع الحياة البائس وظروفه القاسية، برز الأدب الغنائي بصورة واقعية حسية لأن الشاعر ليس بمعزل عن الحياة، ولأن الأدب الواقعي يتسم بالروح الحضورية في مختلف قضايا الإنسان، ومن مبدأ أن الفن انعكاس موضوعي للواقع كان على الأدب أن يؤدي دورا هاما ملموسا في هذا الجانب.

ارجع لحولك

ينطلق النص من استعارة الشاعر لمعالجة ظاهرة الاغتراب شخصية افتراضية تحدث بلسانها الأليم وبإحساسها الصادق عن أثر هذه الحالة وما تلقيه بظلالها من أحزان وآثار نفسية واجتماعية مرهقة ليس على الإنسان فحسب، بل على الحياة برمتها، ولأن النداء من "الأنثى" يكون أشد وقعا في النفس وأرجى في الاستجابة والأثر، تحدث الشاعر بلسان "أنثى" يمنية تعاني وحشة اغتراب عائلها الوحيد.

"ارجع لحولك"، لم يكن عبثا استخدام الشاعر كلمة "حول " في القصيدة، بل كانت أفضل دلالة من أي مفردة سواها؛ ولعل التفسير المنطقي لهذا هو تعلق الإنسان اليمني بالأرض والفلاحة وتشبثه بها ولولا أن ظروفا أكبر من حجمه دفعته للاغتراب ما بارح أرضه الطيبة.

جاء النداء دافئا لطيفا: ارجع لحولك كم دعاك تسقيه، يشخص الشاعر الحول وهو رمز للأرض الزراعية، وقد استعارها الشاعر رمزا -في الوقت نفسه- للمرأة التي نأى عنها زوجها وتركها لصقيع الحياة وجدبها.

كم التكثيرية في قوله: "كم دعاك تسقيه" لها وقع عتابي أيضا في نفس المخاطب، ومن ثم تتوالى المغريات في ثنايا القصيدة، فيعلل الشاعر نداءه للمغترب بأن الزرع قد اخضر وآتى أكله، وهو ما قد يسعده كون الحياة الزراعية أكثر ما يستهوي الفلاح اليمني.

ولقد سمعت الكثير من المرويات عن أثر هذه القصيدة في نفوس المغتربين ووقعها البالغ كأغنية في أرواحهم لدرجة البكاء، وأبعد من ذلك أن بعضهم على إثرها أزمع السفر واتخذ قرارا بالعودة للوطن، الأمر الذي يشهد للأغنية اليمنية بالصدق الفني، مما يعني أن الشاعر قد عايش التجربة حقيقة وخيالا، وتفاعل معها بإحساسه، فنضجت بالشكل المنشود.

ورد الربيع من له سواك يجني؟

فالحياة -كما يعكسه هذا الشطر- لا تزال، رغم غياب فلاحها، تحافظ على كينونتها، غير أنها بانتظار ذلك الفلاح الذي طالته يد الاغتراب فأقصته عنها وهي على أمل بعودته، إذ لا أحد غيره يمكن أن يجدد شبابها ويهتم بها، فالعلاقة بينهما مصيرية، علاقة الورد بالربيع والفلاح.

يردف الشاعر شارحا ومفسرا بصور حسية مفعمة الإحساس والوجدانية ما يعكس طبيعة الاغتراب القاسية قائلا:

بغيبتك ذيب الفلاة حايم

على المواشي والبتول نايم

يبرز هذا البيت ألما متجذرا حقيقيا، إذ يشرح -بلسان حال المرأة- شكواها ومخاوفها وصروف دهرها، فبسبب الغياب استذأبت الحياة وحامت حول الأهل الذين يقع على عاتق المغترب ذاك عبء حمايتهم، والذئاب رمز لقسوة الحياة ووحشتها حين لا يكون للمرء من يحوطه ويدفع عنه بؤسها.

والفلاة هي الصحراء، ولعلها هنا رمز لشظف العيش وقسوته.

لقد كان الشاعر ذكي للغاية؛ إذ زاوج بين الإنسان اليمني والطبيعة، وصور الأهل بأنهم الحياة الزراعية التي عليها مدار عيشه، وهي -في الوقت نفسه- ذات بعد إنساني جميل، فالمرأة التي يتحدث الشاعر بلسانها كان واقعها بائسا لدرجة أنه لا يمنحها حق الإفصاح عن مشاعرها وما تشكوه من حرمانها وفقدانها -بسبب اغتراب الزوج- الحنان والعطف وحقوق العشرة.

وأنت على الغربة تعيش هائم

سعيد وغيرك مبتلى بالأحزان

يكون الشاعر بهذا البيت قد اقترب كثيرا من النفس ومشاعرها واتقاد إحساسها، فأفصح عنها معاتبا بطباق معنوي يوحي بالألم والمعاناة. والاغتراب -بطبيعة الحال- يكون مؤلما قاسيا على طرف إن لم يكن على الطرفين، لكن الشكوى كانت منها باعتقاد أن الغربة كانت تشكل أمر سعادة المغترب؛ ولعل هذا الاعتقاد كان بسبب واقع الحياة البائس في الوطن آنذاك.

ولأن المغترب اعتاد أن يتعهد ذويه بالرسائل والمكاتيب، قال الشاعر رافضا على لسانها هذه الفكرة: "ماشاش مكتوبك ولا الصدارة قصدي تعود حتى ولو إشارة">

فالرسائل عادة لا تغطي احتياجات الروح ولا تطفئ لهيبها.

في ختام هذا السجال الشعوري لواقع الإنسان المدفوع قسرا للغربة، والإنسان المقابل الذي ينتظره، يبرز جانب الحزن والحسرة بوضوح:

غبني على عمري جرى سنينه* أما الفؤاد فا زاد به حنينه، ليتك تعود تشفيه من أنينه *وينجلي همي ونصلح الشأن.

يتحسر الشاعر بلسان المرأة تلك على عمر ضاع، وذوت أزهاره مأخوذة بذنب الاغتراب الشقي، متمنية عودة غائبها، معلقة عليه آمال صلاح شأنهما وانفراج كربتها.

وهكذا جسدت هذه الأغنية حالة من الألم الذي فجرته ظاهرة الاغتراب، فكانت الأغنية ملاذا روحيا يسكت بعض الصراخ الخفي الذي يتأجج في الروح في حياة قدر لها أن تكون غير طبيعية على هؤلاء المبعدين والذين يقفون هناك في الأفق تكويهم شمس انتظار الربيع وصقيعه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.