شعار قسم مدونات

تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على المنطقة العربية

أزمة روسيا وأوكرانيا.. أين تتجه أسعار النفط؟ وماهي توقعات الخبراء؟
تداعيات الحروب الكبرى غالبا ما تكون مأساوية ويدفع فاتورتها البشر الضعفاء (الجزيرة)

تابع العالم بقلق بالغ تطورات الاحتقان الروسي الأوكراني منذ ولادته، غير مستبعد كل السيناريوهات المحتملة، الجديدة منها على ديوان الحرب والاعتيادية التي طالما تكهن بها أو عايشها أو استقرأها من سجل الحروب البشرية الكبير، فهي أشبه ما تكون بسابقتها ولا تختلف -إن اختلفت- إلا في الأساليب والوسائل والغايات فيما يظهر للبشر العاديين، الذين لم يألفوا أو ربما لا تستهويهم القراءة والمثاقفة في روايات تكتب بالدم.

وعالمنا العربي الذي يعيش حالة من الاحتقان الداخلي والتأزم السياسي هو الآخر كان أكثر اهتماما بملابسات هذه الحرب وإشكالياتها وظروفها، وموقفه من أطرافها ومن ثم قراراته وخياراته منها؛ لا لأهميته في إشعال فتيلها أو إطفائها بقدر ما أنه ليس بمعزل عنها؛ فالحرب في أي مكان من هذا العالم لا تستثني من دخانها أحدا، وقد لا تراه مهتما أصلا، فهو -ممثلا بأنظمته- لا يبدو مستعدا لتقديم شيء أو لعله لا يفكر بذلك أساسا.

وأقول كقارئ للمتغيرات إنه عندما يستجد في أي مكان من هذا العالم حدث، ولاسيما الحدث السياسي، فإن ذلك يشكل دافعا قويا للكيانات والمليشيات التي تعيش وضعا متأزما مشابها لما حدث، ويعطيها أملا في إعادة فرض مشاريعها مهما كانت منطقية أو غير منطقية، مستعدة لتقديم كافة أشكال الارتهان والطاعة للحليف الأقوى، ومستنيرة بهدى الأحداث السياسية التي تشعر أنها تجري لصالحها وبما يعزز وجودها ويضاعف فرصها في النجاح.

الانفصاليون الأوكرانيون انتصروا أخيرا والنظام الأوكراني مني بالخيبة والهزيمة ولم يجد رهانه على صوت التحالف الغربي في إيقاف الجموح الروسي نفعا، ورغم من كل تلك الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تحد من صلاحية الانفصاليين وتوقف رغبتهم في فرض سلطتهم، فإن لغة الحرب ورأي الحليف الأقوى هو في الأخير ما يحدد مستقبل أي مكون سياسي وأي تموضع آخر.

لهذا أعتقد مثلا أن الصوت الانفصالي في اليمن يشعر الآن بالنشوة والارتياح؛ إذ أعطاه حظ الانفصاليين الأوكرانيين المبتسم في هذه الحرب دافعا قويا لفتح ملفه وبعثرة رماده الذي توهمت الشرعية أنها قد طوته، فبدعم من الحليف الأقوى يمكن لهؤلاء أن يعودوا وبأمل من نوع خاص، في حين ستظل الشرعية المتخثرة تراهن على فقاعة التحالف دون أي موقف سياسي شخصي الهوية يعلن وجودها السياسي بشكل محترم.

ومن تداعيات هذه الحرب على المنطقة العربية على الصعيد السياسي أن تسارع بعض الأنظمة العربية -ذات المواقف المتذبذبة- لمراجعة حساباتها السياسية التي رجحت منذ زمن الكفة الغربية على حساب الشرق، وقوّت سواد الرأسمالية وفتحت مجالاتها الجوية وأسواقها وكافة قنوات اتصالها معها، وقد آن لها أن تدير ظهرها للغرب وتتجه للشرق بدافع الخوف والرهبة واستباق أي سيناريوهات كارثية محتملة.

لن تعجب هذه الخطوة الجريئة النزق الغربي، ولن يقف هذا الأخير مكتوف الأيدي إزاء هذا الانحياز والترحيب بانتصاره، إذ لا بد من سعيه الحثيث لتأجيج الصراع الطائفي وإثارة فوضى الأقليات في الشرق الأوسط رغبة في تشكيل عالم شرق أوسطي مناسب ويضمن توازن القوى الكبرى وتأثيراتها على العالم وتقاسم الجغرافيا المادية بينها بشكل متوازن يضمن عدم هيمنة قوى على أخرى.

سيظل الموقف العربي عاجزا عن تقديم أي ورقة تساهم في إيقاف هذه الحرب أو حتى تسوية سياسية، فقط سيتوجب عليه احتواؤها اقتصاديا من خلال ضمان استقرار أسواق النفط العالمي وإن على حساب شعوبها البائسة كخيار مر لا بد منه باعتبارها المرجع النفطي والخزينة المالية للشرق والغرب.

أما على المستوى الاقتصادي فتداعيات هذه الحروب الكبرى غالبا ما تكون مأساوية على الشعوب البسيطة، ويدفع فاتورتها البشر الضعفاء ولاسيما الشعوب سيئة الحظ في شكل وقدرة أنظمتها السياسية.

إن لفشل التحالف الغربي في أوكرانيا أثرا سيكولوجيا سيئا في النفسية العربية عامة واليمنية خاصة؛ إذ يدفعها ذلك للتفكير ألف مرة في جدوى التحالفات وقدرتها على قمع جموع القوى التي تحاول فرض وجودها من خلال تقويض النظام السياسي انفصالا أو غيره، إضافة إلى تعزيز ثقة تلك المكونات والأصوات بوجودها وقضاياها، وتمسكها بحقها السياسي، ويشكل لها فرصة في إعادة تموضعها وأملا في نجاحها مادامت تحت رعاية الأقوى عالميا.

إن عالمنا العربي والإسلامي معني إلى حد كبير بهذه الحرب؛ فهو وإن لم يكن مؤثرا فيها فهو كائن لا شك متأثر بها على المستويين السياسي والاقتصادي، وسيدفع الثمن باهظا إن لم يتخذ موقفا سياسيا ذكيا يحترم وجوده ويضمن استقراره في ظل هذا التأزم والصراع العالمي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.