شعار قسم مدونات

"سلاح عسكري وبعد تربوي".. لا يحتمل التأجيل

تركيا تستعد لتسليم قطر طائرات بيرقدار TB2 بدون طيار
طائرات مسيرة تركية "بيرقدار" (وكالة الأناضول)

تواجه الدول العربية تحديات كبيرة تقتضي إعادة النظر في السياسة العسكرية للدولة والعقيدة القتالية للجيوش وبناء إستراتيجيات وطنية للدفاع والأمن بعيدا عن الضعف والارتهان والتبعية.

وتعتبر الطائرات المسيرة اليوم من الأسلحة النوعية التي أثبتت التجارب والواقع فاعليتها وتأثيرها الإيجابي لمن يمتلكها ويستخدمها، وقد رأينا كيف غيرت هذه الطائرات الأوضاع في مسرح العمليات العسكرية الجارية اليوم في أكثر من بلد ومنطقة عربية وإقليمية ودولية.

السؤال الذي نطرحه ومن خلاله نتناول هذا الموضوع:

  • هل تمتلك الدول العربية طائرات مسيرة؟
  • وما الدول العربية التي تصنع هذا النوع من الطائرات؟

ما أقصده هنا الطائرات المسيرة العسكرية الهجومية، وليس تلك التي أصبحت الفرق الموسيقية ومنظمات ما تسمى الإغاثة تمتلكها لتصوير واستعراض أعمالها لتجعل متابعيها فاغري الأفواه.

باعتباري قارئا وقبل ذلك مواطنا عربيا أشعر بالخجل عندما أبحث في المصادر المختلفة فلا أجد دولة عربية تمتلك هذا السلاح النوعي، فضلا عن تصنيعه!

الحقيقة هذا السؤال طرحه عليَّ ابني الذي لا يتجاوز عمره 14 عاما، كان بجواري يشاهد معي أحد البرامج على إحدى القنوات عن صناعة وتطوير الطائرات المسيرة واستخداماتها، وفي لحظة اندماج وتفاعل سألني: هل تمتلك الدول العربية هذه الطائرات؟ وقبل أن آخذ نفسا عميقا طرح سؤاله الثاني: وما الدول العربية التي تصنع هذه الطائرات؟

لا أخفيكم شعرت بالارتباك وفي الوقت نفسه بالحزن والخجل.

انتظرت قليلا ثم حاولت الإجابة بأسلوب تربوي بعيدا عن اليأس والإحباط، وفي الوقت نفسه لم أكذب عليه ولم أزرع الوهم في فتى يفترض أن أكون معه صريحا وصادقا بالأقوال والأفعال، فكان من إجابتي عن سؤاله أننا حاليا لا نتملك هذا السلاح النوعي والحديث، لكن ثمة دول بدأت تفكر باستيراده، وعما قريب قد تمتلكه أو تصنعه، وأننا نستطيع الحصول عليه، لأن لدينا من الإمكانات ما يمكننا من الحصول على أفضل أنواع الأسلحة وصناعتها.

وذكرت له نماذج مشرقة وإن لم تكن عربية لكنها على الأقل إسلامية، وحققت نجاحا كبيرا، منها: باكستان في السلاح النووي، وتركيا في الطائرات المسيرة (بيرقدار)، وختمت إجابتي بأننا نتطلع إليه وإلى الأجيال القادمة لتحمل هذا المشروع على عاتقها (أردت بناء هدف عظيم في وجدانه).

إن من أبرز وأكثر الاحتياجات التي يحتاجها الوطن العربي والدول العربية بناء المنظومة العسكرية التي تحقق نوعا من التوازن والردع، واستيراد وصناعة الطائرات المسيرة (الدرونز) الحديثة من أي دولة في العالم شرط ألا تخضع الصفقات لأي إملاءات تُخضع استخدامها لمصالح لا تخدم الهدف منها، ومن هنا يجب تصنيع هذه الطائرات في دولنا لحماية أوطاننا، خاصة أن الإمكانات متوفرة.

ويمكن الاستفادة من الخبرات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها تجربة وخبرات ونجاح تركيا في صناعة طائرات (بيرقدار)، خاصة أن الدول الأخرى لم تزود الدول العربية والإسلامية بالخبرات والأسلحة النوعية، وفي اعتقادي الشخصي -على الأقل- لن تحصل هذه الدول على الخبرات من الدول الكبرى كما ستحصل عليها من تركيا، (لدينا تجربة طويلة مع الدول الكبرى، فقد رأينا تحفظها على امتلاك الدول العربية السلاح النوعي والحديث والموافقة فقط على توريد الأسلحة التي عفا عليها الزمن)، ولذلك يجب على الدول العربية البحث عن البديل، ولتكن منها تركيا وباكستان مثلا، وكذلك يمكن فتح قنوات تواصل مع دول أخرى وبناء علاقات ندية وعقد صفقات عسكرية معها.

وذكرت هنا تركيا كمثال يمكن الاستفادة منها انطلاقا من القواسم المشتركة التي تجمع بينها وبين الدول العربية وليس من زاوية ضيقة، كما أن رؤيتي لفتح صفحة جديدة بين الدول العربية وتركيا لا تعني الدعوة للتبعية والخنوع، بل دعوة لعلاقة قائمة على الندية واحترام السيادة وتبادل المنافع، وقد يقول البعض إن هناك تباينات وخلافات سياسية بين بعض الدول العربية وتركيا قد تحول دون إقامة تلك العلاقات التي توصل لتحقيق التعاون العسكري.

الواقع يقول إن تلك التباينات ليست كبيرة، وتلك الخلافات ليست عميقة، بل قابلة للحل، كما أن التاريخ والتجارب والواقع والمعطيات تقول إن الدول العربية لا تشكل خطرا على تركيا أو باكستان، والعكس أيضا، وفي القاموس السياسي أيضا لا يوجد عدو دائم، فكيف بمن تجمعهم مشتركات كثيرة؟

إن التحديات التي تواجه الدول العربية تقتضي البدء بإعادة النظر في علاقاتها الخارجية، وتعزيز التبادل التجاري والخبرات العسكرية بين بعضها البعض، وتفعيل الإصلاح السياسي والتصالح مع الشعوب لتحصين الجبهة الداخلية.

ماذا نحتاج؟

نحتاج إلى إدارة سياسية صادقة، وبناء إستراتيجية شاملة على مستوى كل قطر عربي وعلى مستوى الدول العربية والإسلامية، واستثمار ميزانية الدفاع والأمن في الصناعات الدفاعية الذاتية، وعدم تبديدها في النفقات الاستهلاكية والصفقات التي لم نجنِ منها إلا الخردة والسلاح الهش.

نحتاج إلى المصارحة والحزم مع الدول الإسلامية التي ثبت تورطها في تمزيق أوطاننا وكانت ولا تزال طرفا في المشكلة لا الحل حتى تعود إلى جادة الصواب.

كما نحتاج إلى ابتعاث مجموعة من الطلاب والعسكريين للدراسة والتدرب في الجامعات الدولية في مجال صناعة واستخدام الطائرات المسيرة، وهنا يجب اختيار الجامعات والدول بعناية شديدة، وتفعيل الحس الأمني والمخابراتي، للحفاظ على حماية وأمن البعثات الطلابية وقاعدة بياناتها.

كذلك يحب تفعيل التربية الأمنية في المدارس، وتنمية ثقافة المقاومة في الوسط الطلابي، وتفعيل التربية العسكرية في الجامعات، وفتح أقسام خاصة لتعليم وتدريب الطلاب على صناعة واستخدام الطائرات المسيرة.

اليوم أكثر من أي وقت مضى نحن بحاجة إلى عدم المزايدات وعدم التخوين، وترديد شماعة "إعادة الخلافة، دعم الإخوان، الإرهاب.." لم تعد مجدية وأصبحت مملة كما غيرها من الأوصاف التي أثبتت التجارب والواقع والأحداث أنها مجرد أوهام وصناعة عدو لا وجود له، وتبديد للطاقات والجهود، وعرقلة للإصلاح.

اليوم، المنطقة والعالم يشهدان متغيرات ومستجدات وتحديات سياسية وعسكرية واقتصادية تتطلب من الدول العربية أن تستعد للمواجهة، وتقتضي تفعيل التعاون المشترك والاستفادة من الأخطاء.

لا يزال أمامها اليوم الكثير لتفعله، وما ستخسره اليوم في بناء منظومة المقاومة مهما كان باهظا لكنه لن يكون أكثر من ثمن السقوط.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.