إنسان الدين الذي يمشي في الأسواق

التذكير القاسي بمدى اقتراب اقتصاد الولايات المتحدة والعالم من الانهيار في عام 2008 يجب أن يكون سببا أكثر من كاف لاعتماد التعاون والبراغماتية في السياسة
الموقف الدوغمائي من الفكر الديني ودعاته ومؤسساته؛ كون هذه المؤسسات لم تنصف الإنسان من سطوة السلاطين. (رويترز)

لقد كسر عصر التنوير القيود التي طالما غيّبت العقل وشيطنت المنطق وأوهنَت الفكر الإنساني قرونا طويلة، الأمر الذي كلّف البشرية كثيرا من الوقت في طريق اليقظة وكبَّدها خسائر لا تحصى، وجعلها تعيش حالة من الظلام والتأزم الوجودي، فانفتح الإنسان على عالم صاخب غريب، حيث تمخض ذلك الاحتقان عن ثورة فكرية واتجاهات فلسفية عدة، انبثقت من سبات تاريخي ساد حياته منذ زمن بعيد بعد أن فقد كل سبب لبقائه ومعنى لوجوده.

ولعل ذلك الفراغ الأنطولوجي الذي عاشته الإنسانية كان دافعا قويا لانفجار ثورة الفلسفة الحديثة وصوتا ملهوفا استدعى ظهور كل تلك الرؤى الفكرية التي جاءت بمنزلة الظل الوارف في هذا القيظ الشديد والغيث الهانئ الذي يروي عطش الإنسان لأي مصدر حياة قد يطفئ جحيم أسئلته الوجودية عن كل ما يؤرّقه ويستنزف روحه من مسائل لم يستطع صوت المؤسسة الدينية تقويضها أو حتى تقبل مناقشتها والتعاطي معها بقدر ما جعلها لعنة ينتهي المطاف بصاحبها في الجحيم المُعَدّ خصيصا لدعاة التنوير والهرطقة.

وفي قراءة أنثروبولوجية اندفعت محمومةً كل تلك الفلسفات والرؤى الفكرية لاحتواء أزمة الإنسان في محاولة لإيجاد معنى حقيقي لحياته وتفسير منطقي عقلي يبدّد حيرته إزاء الإنسان والحياة والوجود وكل ما يشغل باله من تكهنات وأسئلة عزّ عليه الإجابة عنها، لكنها هي أيضا لم تكن لتعطيه أكثر من حيرته الأولی التي اعتقد لوهلة أنه قد تحرر منها؛ إذ وضعته أصوات الحداثة في مفترق طرق تتخطفه فيها توجهات ونظريات وآراء أضاف اختلافها إلى صراعه النفسي صراعات أخرى، ناهيك عما أحدثته ثورة التنوير من تحديث في وسائل الحرب والصراع، فكثر الموت وتملكت الفرد مشاعر الضياع والرعب من الحياة والإنسان.

وفي ظل هذا التأزم الروحي طرح بعض الفلاسفة، لحل مشاكل الإنسان المعَقّدة، فكرة العدمية البراغماتية؛ رغبة في تحريره من عناء التفكير والركض وراء إيجاد غاية معقولة أو معنى منطقي لوجوده، وخلاصة هذه الفكرة الفلسفية تزعم أن خطوة سعاة الإنسان الأولى تبدأ من اقتناعه بأن لا معنى حقيقيا جوهريا للحياة، وأن عليه أن يستنزف لحظاته كما لو أنه مجرد عنصر كوني جاء لفترة معينة من دون أي هدف، وأن كل شيء في الحياة بلا قيمة بما في ذلك الإنسان، لأن مصدر الحقيقة الأمثل هو أثر الأفكار والقيم والمثل والمبادئ لا مجرد وجودها الطبيعي، بمعنى أنك لست مضطرا إلى الإيمان بأي فكرة أو عمل أي شيء ولا أن تعيش لأي غاية؛ فكل ذلك ليس له نتائج ولا آثار إيجابية ولا يسمو لأن يكون سببا للوجود والبقاء وسط هذا الصراع العبثي المُمِيت.

في الواقع هناك -إلى حد ما- مبرر لهذا الموقف الدوغمائي من الفكر الديني ودعاته ومؤسساته؛ كون هذه المؤسسات لم تنصف الإنسان من سطوة السلاطين وسياطها وبطشها بقدر ما كانت نفَسًا ظلاميا يشرعن للمنظومة السياسية ويحوطها بهالة من القداسة والحق الإلهي على حساب الفرد البسيط والإنسان المقهور، فاتسعت الهُـوةُ بين الفرد والدين، الأمر الذي استدعى تحرير الحياة من هذا الانهيار الوشيك بالثورة على كل ما هو ميتافيزيقي والدعوة لانتشال العقل من وحل التبعية ومن ثم منحه سلطة شرعية مستقلة.

لكن في اعتقادي أن هذه الفكرة -كما يراها البعض- ليست سوى انتحار فلسفي محض، لحيثيات عدة ليس آخرها أنها تتناقض مع الطبيعة البشرية، فهي تجرّد الإنسان من إحساسه باختلافه عن سائر المخلوقات وترفع عنه غطاء المسؤولية ليعيش حياته أنانيا فوضويا كأي كائن؛ فهو بشكل أو بآخر لا يستطيع العيش من دون طبيعة روحية أو أفق مادي يجتهد في بلوغه، فالطبيعة الروحية تحميه من شرور النفس ونزواتها وتجعله إنسانا صالحا، في حين يجعله البعد المادي إنسانا منتجا وعنصرا فعالا ذا مسؤولية وواجبات.

ثانيا- إن هذا الأفكار ليست أكثر من رؤى واجتهادات شخصية وأطروحات إنسانية لا تسلم من الخطأ والعشوائية، ناهيك عن كونها وليدة عصر انحطاط ثقافي وظلام فكري واستبداد سلطة دينية استغلت مكانتها ومن ثم قداسة الدين غطاء لمصالحها الشخصية فأفقد ذلك البشر ثقتهم وإيمانهم بها، فثاروا عليها واتخذوا موقفا مناوئا للدين ورجالاته ومؤسساته وكل أفكاره ومعتقداته، لأنها -في نظرهم- لم تحقق للفرد أي منفعة ولم تحتوِ صقيع روحه أو تحرره من قبضة الجهل والعبودية والقلق.

إن من نافلة القول إن الخطاب الديني يضطلع -بالضرورة- برسالة براغماتية سامية تولي الإنسان والحياة مكانة عظيمة، لولا أن البشر أنفسهم يسيئون فهمها أو يحاولون ذلك بدافع ما، سياسي أو طائفي أو ما شابه ذلك كالجهل والاحتكار، حيث يفرغ الدين من مضمونه الإلهي فيصير لافتة بيد الطغاة أو صوتا لاستبداد همجي يمتهن الإنسان ويبتذل حقوقه ويدير ظهره لكينونته وإنسانيته وكرامته، ويثير في الفرد النقمة والضغينة على الفكر الديني دون استثناء، فينتهي به المطاف فوضويا عبثيا لا يشعر بأي قيمة لوجوده.

ومن نافلة القول أيضا أن الدين لا يطلب من الإنسان أن يكون على درجة مستحيلة من المُثل ولا يفرض عليه ذلك، لأن فلسفته واقعية بالضرورة، وهو ما يعكس ربانيته، فتشريع المثاليات لإنسان مطبوع أصلا على النّقص والخطأ تناقض يُسيء إلى مصدر التشريع، ومنطقيا حين تضع نظاما لمؤسسة ما يجب عليك أن تراعي فيه طبيعة العاملين وقدراتهم وإلا فأنت تحكم عليها بالفشل ابتداء، ومعاقبتُهم على التقصيرِ ظلم واستبداد وتعسُّف، أي إنه -ببساطة- لا يكلف الفرد أكثر مما يعطيه ويمنحه من سلام وسعادة وروحانية واستقرار نفسي وحقوق وكرامة.

وعليه؛ يتحتم على الخطاب الديني في ظل هذا الصراع الأيديولوجي أن يتحرر أولا من يد السلطة السياسية اعتبارا لوظيفته الحقيقية، وأن يخلع عباءة التقليد والراديكالية، وأن يتنازل عن فكرة المثالية المفرطة فيعترف بالواقع ومتغيراته رغبة في احتواء أزمة البشرية عامة والفرد خاصة؛ فهو بطبيعته إنساني النزعة والهدف، حتى يقمع جموح هذه الأفكار الفلسفية المتطرفة ويوقف هذا النزوح الجماعي إلى عالم الفوضى والعبثية والعدم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.