شعار قسم مدونات

كيف فاز منتخب العرب؟

فرحة عارمة لمنتخب المغرب بالتأهل إلى نصف نهائي كأس العالم
مشاركة تاريخية لمنتخب المغرب في كأس العالم في قطر (الفرنسية)

سيتبادر إلى الأذهان أنه كان الأجدر كتابة منتخب المغرب عوضا عما جاء في عنوان هذا المقال. لكن الأمر ليس كذلك، إذ إن فريق أسود الأطلس يستحق لقب "منتخب العرب" وقد ظفر به عن استحقاق وبجدارة. فأشرق في البداية منتخب مغربي ليتألق في ختام الأمر منتخب عربي نال محبة وتعاطف جميع الشعوب العربية.

فهل فاز حقا؟ وكيف تم ذلك؟

كلنا كنا نصبو لفوز منتخب أسود الأطلس في كأس العالم لهذا العام، حتى إننا بتنا نتوق إلى الصدارة والظفر بالكأس، وبهذا نكون قد أنجزنا سابقة كروية تاريخية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الساحرة المستديرة الأفريقي والعربي.

تهيأت الأحداث منذ بداية هذا الحدث الكروي وتوالت بشكل لم يشهده العالم من قبل، وتكررت الأسئلة: كيف يمكن لفريق من الدول النامية أن يكون في الصدارة؟ وكيف لشبابه أن يبرع في الأداء ويكسر كل الحواجز والأعراف ويلغي فكرة عدم قدرة الشعوب العربية على أن تتخطى حدود المستحيل؟ نعم المستحيل وهذا بيت القصيد.

تلك الفكرة البئيسة التي عششت في أذهاننا وتربعت في عقول وأفئدة الشباب العربي حتى أدخلتهم في دائرة العجز وانعدام القدرة على المبادرة وتحسين الأداء والمحاولة والمواجهة والمجابهة والإنجاز وارتقاء سلالم المجد.

مجرد فكرة الانتماء لأوطان تجرعت ويل الخيبات لسنوات، كانت كفيلة بأن تُقعد هذا الجيل عن السير قدما. كانت قادرة على أن تُخمد وهج الدافعية والإنتاجية لديهم، وأن تُحيلهم مجرد كائنات هجينة، تتجرع ألم الخذلان وعقدة الانتماء وخواء الوجدان.

جيل يتوق إلى العبور وتحقيق حلم الهجرة. جيل يتطلع إلى عوالم تضمن له العيش الكريم وآفاق تمنحه الحافزية للاندماج بشكل سوي في هذا العالم. يرنو إلى بيئة متشبعة بالقيم الإنسانية والحضارية والاجتماعية والدينية.

يستشرف مستقبلا حافلا بالإنجازات شأنه شأن أقرانه من الدول المسايرة لركب الحداثة.

جيل يصبو إلى تعزيز الشعور بالانتماء لديه، للذات وللوطن وللأمة. يفتقد النموذج والقدوة ويَنشد نماذج يحتذي حذوها ويسير على نهجها. نماذج مشرفة متشبعة بالقيم، تمجد العمل وتمتلك الحس الجماعي وروح المبادرة. وهذا ما نجح أسود الأطلس في تحقيقه؛ إذ أعادوا صياغة النموذج المشكل في أذهان الشباب، نموذج الشباب الذي يستحق التأسي به والسير على نهجه.

ولم يكن مجرد فريق عادي يتبارى لأجل الحصول على لقب بل كان نموذجا للتغيير، نموذجا أحدث ما لم تتمكن أعتى المؤسسات السياسية والاجتماعية والتربوية من تحقيقه، وهو إعادة بناء القدوة وإعادة تشكيل النموذج وإعادة تقديم اللحمة العربية في أبهى مظاهرها وذلك بإشعال جذوة الانتماء للهوية العربية.

خروج أسود الأطلس أمس، لم يكن إخفاقا البتة بل كان أعظم انتصار للأمة وأبلغ فوز لها. خروج فريق الأسود، كان خروجا من المربع الذهبي لفعاليات كأس العالم وولوجا لقلب كل مغربي، وكل أمازيغي، وكل أفريقي، وكل عربي وكل مسلم.

فإن خذلتكم الكرة هذه المرة، فيكفيكم كرما أنكم لم تخذلوا 40 مليون مغربي و430 مليون عربي وأمازيغي ومليار و300 مليون أفريقي وملياري مسلم تقريبا.

يكفيكم عزا أنكم أبليتم البلاء الحسن برغم التعب و الكدمات والإصابات الجسدية في صفوفكم، وقودُكم الأسمى ودافعُكم الأعظم وشغفُكم للساحرة المستديرة وحبكم للوطن وللعروبة كل ذلك أهَّلكم للفوز في تقديم النموذج المشرف لهذا البلد ولهذه الأمة.

إن فازت فرنسا بالمباراة فأنتم قد كسبتم حب أمة بأكملها وشتان بين هذا وذاك.

شكرا لكل من ساند المغرب ومنتخبه من المحيط إلى الخليج، شكرا لكم من القلب.

شكرا للمدرب المقتدر ذي بعد البصيرة، والهمة العالية السيد وليد الركراكي.

شكرا لأسود الأطلس.

يكفيكم فخرا أن حزتم لقب فريق "المَرضيين" و"فريق الساجدين" و"فريق منتخب العرب".

ويكفينا ذخرا أننا نتقاسم وإياكم الانتماء لهذا الوطن ولهذه الأمة.

ويكفينا ويكفيكم شرف المحاولة، إن هي إلا البداية، ليس في كرة القدم فحسب بل في جميع مناحي الحياة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.