شعار قسم مدونات

حقوق الإنسان لا تناهض معتقدات الناس

صور لجلسة مجلس حقوق الانسان (الجزيرة)

 

ما يجرى في ميدان حقوق الإنسان في منطقتنا يحتاج إلى وقفات جادة وصدق مع النفس في ظل مسارات التغيير السياسي والاجتماعي التي تعبر عن الأزمات القانونية والأخلاقية العميقة التي تتعرض لها مجتمعاتنا، والتي قد نجم عنها الكثير، فعلى سبيل المثال، أضحى المدافعون عن حقوق الإنسان محل شك الأنظمة وترحيب المعارضة مع أنهم ليسوا معول هدم لدولهم أو طلابا للسلطة أو أبواقا لها؛ بل هم بشر لهم كامل الحق في اعتناق الآراء والأفكار ومناقشتها وتوجيه انتباه الجمهور والرأي العام حول التحديات التي تواجه مجتمعاتهم مع مراعاة قيم ومبادئ حقوق الإنسان العالمية؛ وعدم التمييز وعدم قابليتها للتجزئة والمشاركة والمساءلة.

 

لكن وقائع كثيرة تنبئ بمخاطر جمة تكاد تفقد هؤلاء المدافعين عن حقوق الإنسان مكانهم السامي بحيادهم واستقلاليتهم واحترامهم لمهمتهم التي يجب أن تكون اعتقادية في مناهضة الانتهاكات ومساندة ضحاياها، مما دفع الكثير من الناس لابتغاء الاستجارة من الظلم على أيدي المنظمات الدولية الحقوقية وتصديقها والاحتفاء بمواقفها عوضا عن منظماتنا المحلية والإقليمية التي تأسست منذ عقود، ووثقت ورصدت أبشع التجاوزات، وأخفق معظمها في ميزان العدل من منظور الضحايا أنفسهم.

 

  • فما الذي أوصلنا إلى هذا الحد؟
  • وهل رواد هذا المجال يستغلونه فعلا كحصان طروادة لتحقيق مآربهم الشخصية؟
  • وكيف يمكننا كمدافعين عن حقوق الإنسان مجابهة هذه الأزمة بتجرد ونكران لأجل غد يتمتع فيه الجميع بالحماية على قدم المساواة بغض النظر عن آرائهم السياسية أو غير السياسية أو انتماءاتهم العرقية أو معتقداتهم الدينية أو أعراقهم وألوانهم؟

 

في كل يوم يمضي علينا تزداد قناعتي بحاجة بلادنا ومنطقتنا لجيل جديد من المدافعين عن حقوق الإنسان لا يفرضون على الناس معتقداتهم الشخصية، وليس من بين خططهم الآنية أو المستقبلية الوصول إلى كرسي السلطة، أو السعي لتغيير نظام الحكم، ولا دعم المعارضة على حساب النظام الحاكم، ولا مساندة النظام الحاكم في وجه المعارضة، ولا السعي إلى فرض قيم لا تعتنقها أو تؤمن بها مجتمعاتهم، ولا السعي لاستغلال النفوذ الجهوي أو السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي الذي يحظون به.

ذلك وببساطة لأن النظام الدولي لحقوق الإنسان منذ نشأته عقب الحرب العالمية الثانية لم ينص في أي صك من صكوكه على إلزام أية دولة بشكل محدد من النظم السياسية أو المرجعية التشريعية إنما دعا وبوضوح إلى احترام الحقوق والحريات لأجل تحقيق الكرامة الإنسانية المتأصلة في كل فرد.

بل زاد على ذلك بأن جعل لكل دولة ومجتمع الحق في اتباع النظام القانوني والسياسي الأفضل الذي يحقق العدالة والاستقرار والنماء والمساواة في الحقوق بين أفراد الشعب، وأقر بأن الدول هي المسؤول الأول عن حماية وتعزيز حقوق الإنسان، وأنه يجب عليها الاعتراف بحقوق ومسؤوليات الأفراد والجماعات والمنظمات غير الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني بشكل عام في تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية المعترف بها عالميا.

وللحد من تسلط النظم السياسية على شعوبها؛ اعتمدت آليات تعاهدية تسهر على رصد ومراقبة تنفيذ الدول لالتزاماتها الناشئة بموجب مصادقتها أو انضمامها للمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان والبروتوكولات الملحقة بها، وقبول استلام ونظر الشكاوى الفردية من قبل ضحايا الانتهاكات، بما في ذلك التحقيقات والزيارات الميدانية والشكاوى ما بين الدول الأطراف. ثم آليات غير تعاهدية أزالت قفل باب الحماية الموصد بأيدي الدول المانع لمساءلتها دون موافقتها على المعاهدات، عبر الإجراءات الخاصة والتي تتشكل من مقررين خواص كالمقرر الخاص المعني بمناهضة التعذيب، أو معنيين بدول كالمقرر الخاص المعني بأريتريا، إلى جانب الفرق المعنية، كالفريق المعني بالاحتجاز التعسفي، ولجان تقصي حقائق ومبعوثين، وأجهزة ولجان كثيرة لا يسع المجال لذكرها هنا، ودور عظيم ينبغي أن تقوم به المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

هذه المفوضية -التي تنتظر منها أمم وشعوب العالم أن تجسد آمالها وطموحاتها في تحقيق عالمية حقوق الإنسان والحريات العامة التي يجب حمايتها وكفالتها- يجب أن تكون متاحة للجميع دون تمييز بسبب اللون أو اللغة أو العرق أو الدين أو الرأي السياسي أو غير السياسي أو الانتماء الوطني أو مركز الوالدين، أو غير ذلك، وذلك عبر قيامها بمساعدة الحكومات للمساهمة في منع ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان وتقديم المشورة وبرامج تنمية القدرات الوطنية وسن القوانين والسياسات، وتنبيه الدول لإيلاء الاهتمام بجميع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية والسياسية على السواء.

 

 

فالواقع الماثل يتطلب إعادة تقييم الركائز الست التي تبنتها المفوضية في خطتها للفترة من 2018 إلى 2021، وهي:

  • تطبيق توصيات وقرارات الآليات الدولية لحقوق الإنسان.
  • تعزيز المساواة ومكافحة التمييز وحظر الدعوة للكراهية القومية أو الدينية أو العنصرية التي تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف.
  • إحكام سيادة القانون والمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان.
  • الاهتمام بتعزيز آليات حماية حقوق الإنسان للوقاية من الانتهاكات.
  • الاهتمام بالتنمية المستدامة باعتبارها إحدى ركائز حقوق الإنسان.

 

والآن قد مضى عام على اكتمال مدة تنفيذ الخطة؛ فما هو أثرها على واقعنا في السودان وليبيا واليمن وسوريا التي تعاني أشد الأزمات الإنسانية بسبب النزاعات المسلحة والقمع الطويل الذي انقشت غباره لتكشف عن أنواع جديدة من الانتهاكات والتجاوزات التي لن تحل إلا بتوافق وطني جامع خاصة لمجتمعات الحقوقيين.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.