شعار قسم مدونات

رسالة من الحيّ العَصيّ وحكاية الجسر

تشييع الطفل إبراهيم شيبان في حي الميدان بدمشق - الصور ليست حصرية، بل من الانترنت
تشييع الطفل إبراهيم شيبان في حي الميدان بدمشق - الصور ليست حصرية، بل من الانترنت (الجزيرة)

 

وصلتني رسالة من بعض الأصدقاء الشرفاء في حيّ الميدان الدمشقي يشكو حاله وما آلت إليه الأمور في الحيّ من تسلط بعض الشيوخ والتجار التابعين لفروع الأمن والمخابرات على العباد، فضلا عن تحريض هؤلاء الشيوخ الأهالي وإجبارهم على مبايعة بشار الأسد وانتخابه رئيسًا لفترة أخرى.

فيقول المرسل "كيف أطيع هؤلاء الشيوخ في انتخاب من قتل 4 من أسرتي، واعتقل منّا 20 شابًّا، وشرّد بقية الأسرة بين الداخل والشمال وأوروبا؟! وها نحن الآن نعيش على عتبات الجمعيات الخيرية وانتظار معونة أقاربنا في الخارج؟!".

ويتابع قائلًا "لقد أقام مجموعة من الشيوخ الموالين لفروع المخابرات الذين نشكّ بهم وبفكرهم مع بعض التجار والوجهاء العملاء حفلات فيها الغناء والموسيقا وكلمات يلقونها من مديح وثناء على ذلك المجرم الذي باع البلاد بعد تدميرها، كلّ ذلك في وسط حيّ الميدان، وعند تلك المساجد التي كنّا نخرج منها في بداية الثورة ننادي فيها بإسقاط النظام".

 

حي الميدان المجاهد

حيّ الميدان الدمشقي المجاهد هذا اسمه وصفته، هو الخاصرة الجنوبية لدمشق القديمة وبوابة حوران، معروف منذ القِدم بمحافظته وتمسكه بأحكام الشريعة والتزامه سبيل الأخلاق الطيبة.

لقد عاش أهل هذا الحيّ على احترام علمائه وشيوخه، فلا يَقطعون أمرًا دون الرجوع إلى العلماء والشيوخ الذين ربّوا أبناءه على حبّ الدين والتخلق بأخلاق النبوة، ومن هؤلاء الشيوخ الشيخ حسن حبنّكه الميداني ومن بعده الشيخ صادق وغيرهما رحمهم الله تعالى جميعًا.

ولقد كان للشيخ حسن حبنكة رحمه الله مواقف عظيمة منها جهاده في الثورة السورية الفرنسيين في عشرينيات القرن الماضي، كذلك وقوفه في وجه ظلم الرؤساء كأمين حافظ والمقبور حافظ الأسد، فقد كان مُعارضًا لترشح الأسد رئيسًا للبلاد كونه غير مسلم، فهذا مخالف لدستور سورية، وما تمّ هذا الأمر لحافظ إلا بمساعي مُفتيه أحمد كفتارو الذي استطاع بدوره أن يشقّ صفّ علماء الشام وشيوخها قاطبة بتأييده للهالك حافظ الأسد. وبقي هذا الحيّ وشيخه شوكة في حلق الأسد الذي لم يستطع إخضاعه والنيل منه.

وبعد ذلك حاول بعض من أتباع المفتي أحمد كفتارو سرقة منابر حيّ الميدان ومحاريبه لدسّ فكر شيخهم في تمييع الدين والولاء للحاكم في عقول أهل الحيّ، فضلا عن زعزعة ذلك الترابط بين أبناء الميدان وشيوخهم، ثمّ السيطرة على الحيّ وتقديمه على طبق من فضة بين يدي الحاكم الظالم، فعجزوا عن بغيتهم في البداية لوقوف شيوخ الحيّ في وجه ذلك الفكر المتملق، ثمّ ظفر بعضهم في نهاية عهد المقبور حافظ لِما وجدوه من حظوة ودعم لدى فروع المخابرات، تلك الفروع المجرمة التي قتلت واعتقلت أبناء شعبنا.

 

مكيدة الجسر

أخذ الأسد يبحث عن وسيلة يستطيع بها اختراق هذا الحيّ العنيد، وساعده في ذلك رئيس وزرائه المهندس عبد الرؤوف الكسم الذي جاءه بفكرة خبيثة ترضي ذوق سيده الإجرامي، وهي مشروع إنشاء الجسر المتحلق الجنوبي الذي يخترق حيّ الميدان من وسطه، فكانت فكرة شيطانية ومُكلفة في الوقت نفسه.

وأنشئ هذا الجسر الذي مزّق حيّ الميدان، فجرف شوارع وأزقة وحارات وبيوتا كثيرة، بل وكشف عددا من المنازل على حافتيه، فاضطر أهلها إلى بيع بيوتهم والانتقال إلى أحياء أخرى، خوفًا من كشف بيوتهم وحرمتها.

في ذلك الوقت (وقبله) سهّلت أجهزة الأمن بطرائق عدة استقدام عائلات نُصيريّة إلى الحيّ، ومَدّتها بالأموال والدعم، فتملّكت عقارات ومحال من أرادوا بيع بيوتهم بسبب ذلك الجسر، فعملت تلك الثلّة في صناعة الحلويات الدمشقية حتى اشتهرت، وكانت وظيفة تلك الفئات النُصيريّة في الحيّ تقديم كلّ الدعم لنظام الأسد والوقوف إلى جانبه، وقد ظهر ذلك أيام الثورة، وهذا ما رأيناه بأعيننا.

وتتمة لهذه اللعبة الخبيثة أنشأ نظام الأسد مخفرًا للشرطة على كتف الجسر ليكون عينًا له وبؤرة استخبارية هناك.

ولقد أدّى هذا الجسر فعلًا دورًا كبيرًا لدى المجرم بشار في بداية الثورة السورية، فقد كانت عناصر المخابرات ترصد من فوقه مظاهرات يوم الجمعة عند جامع الحسن، وجامع منجك، وجامع زين العابدين، فكان يكمن عليه القنّاصون فيرمون أبناءنا واحدًا تلو الآخر في مقتلهم، وكذلك كاميرات شبيحة الإعلام والتلفاز تلتقط صور الثوار بدقّة عالية عند المساجد وفي الشوارع، ثمّ ترسلها إلى فروع المخابرات ليتم اعتقالهم بعد ذلك وتصفيتهم في المعتقلات.

ولا ينسى أهل الميدان ما فعله هذا الجسر في حرب الميدان 2012  فقد خدم مليشيات الأسد وحزب الله خدمة كبيرة، إذ كان بمنزلة قاعدة للدبابات ومدافع الهاون التي قصفت الحيّ من فوقه، فدمرت البيوت والمساجد، وهجّرت الأهالي، وحولت الحيّ إلى خراب، كذلك المخفر الذي زُرع مُحاذيًا للجسر كان نقطة اعتقال الثوار في الحيّ وقتلهم.

 

وتكمن أهميّة هذا الجسر لدى النظام الأسدي ومليشياته أنّه بات خطًّا سريعًا لإمداد عناصره وشبيحته، فلا تفصل الفروع الأمنيّة عن حيّ الميدان سوى دقائق معدودة حتى تتكاثر فتغطي المنطقة بكاملها، ففرع المنطقة والمزة والمخابرات الجوية في غرب الجسر وفرع فلسطين في شرقه.

 

ومع بداية الانتخابات الوهمية في سورية وجهت فروع المخابرات عناصرها وأعوانها لإقامة الحفلات الداعمة لمرشحهم بشار في المناطق التي يحكمها صوريًّا، وأبدت شيوخ الظالم ولاءها بصورة فورية، فتجمهرت شرذمة تلبس لبوس المتدين وتدين بفكر المجرم في حيّ الميدان المجاهد وتحت ذلك الجسر، داعمة المجرم الأسد في ترشحه المخادع، مبايعة له في مسرحيته الانتخابية، مُتحدّية الحيّ وأهله، ولسان حالهم يقول "كما أنّ هذا الجسر مزّق حَيَّكُم وفرّقَ جمعكم سنكون نحن بعمائمنا جسرًا جديدًا ومداسًا فريدًا لعبور الطغاة والمجرمين والخونة".

أمّا جوابي لرسالة الإخوة الذين راسلوني من حيّ الميدان: الظلم لن يدوم، وللظالم أعوان بأشكال مختلفة، بهيئة شيخ واعظ، أو داعية متملق، أو محسن منافق، أو تاجر فاجر، أو فقير يقبل الذلّ ويجبن عن كلمة الحق. إنّ هذا الحيّ سيعود إلى رونقه وبهجته وعزّه عندما نتعاون جميعًا على كشف هؤلاء المتقمصين المنافقين على حقيقتهم، وفضحهم والتشهير بهم، فزوال الاتباع علامة على زوال المتبوع. وكما يقولون في المثل "قالوا: يا فرعون من فرعنك؟ قال: ما رأيت من يردني)، فنهاية الطغيان تبدأ بنهاية من جعله طاغيًا.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.