شعار قسم مدونات

ذاكرة سنوية.. ومآسي تتجدد

 

باتت أختي بروين ذكرى، كلما حاولتُ أن أعانقها أرى نفسي أحيا الألم والفقدان، أرى آثارها هنا وهناك، تحيا وتختفي في عقلي بين الخيال والخيال، لن أنسى بشرتها المصفرة بلون الردى، انتهت الحياة في عينيها المغلقتين، وتجمدت ملامحها الهادئة في ذلك اللون، وتلاشى العمر الذي قضيناه، وتحول إلى صورة معلقة على حائط بيتنا مع زوجها رودي.

كانت الساعة الخامسة فجرا حين هاجمت "داعش" مدينة كوباني، كجحيم ظهر من فجوة زمنية، لم أخرج من مكان عملي بوكالة "هوار" للأخبار، أُخبرنا أنهم كانوا يرتكبون المجازر، ويقتلون كل من يصادفونه تحت ظلمة راية علت عقولهم، شعرت بالذعر حين رن هاتفي النقال، ولن أنسى تلك الجملة المفجعة "أنتِ آلجين حمو؟ عليك الحضور إلى البيت لوداع بروين قبل دفنها، توفيت أختك برصاصة داعش"، لم أصدق الكلام، وهرعت إلى البيت، وتبادلت لحظات الطفولة والمدرسة وزفافها بصور ملأت الكون في أنظاري، ولم أستوعب بكاء وصراخ أمي وأقربائي حولها، رأيتها ممددة بلا حراك، انتظرت للحظات أن تستيقظ على أنها نائمة، لكنها لم تنهض ولم يثر ضجيج العويل سمعها، صرخت بأعلى صوتي حين أدركت أنها سترحل إلى الأبد، إلى الطريق الوحيد الذي لا عودة منه، صرخت كثيرا لتسمع، لعل الحياة تخون الموت وتحيا من جديد، ولكن.. بلا جدوى.

بزي القوات الكردية، اجتاحت عناصرهم بيت عائلة زوجها رودي، كما أخبرتني أخته، حيث كانا في زيارة عندها، وكان في ميعاد مع الردى، وفجأة أطلقوا الرصاص على حماتها التي كانت تتوضأ لصلاة الفجر، لقد قتلوا عائلتهم واحدا تلو الآخر، متنقلين من غرفة إلى أخرى، إنهم على عجل، فلا وقت للاختيار، الكل سيقتل، اختبأت ابنتي حموها في زوايا البيت، وأخرى خلف الباب، وتسمرّت أختي بروين وهي تسمع خطاهم تقترب وتبعد، كالردى يلمسها في كل حين، وفجأة لمحها أحدهم كأن مكانها عنوانهم، وجّه سلاحه صوبها، وأطلق رصاصة فأرداها قتيلة، وعادة لا تنجو الضحايا من قتلاها؛ كانت الأختان تسمعان أصوات الرصاصات وهي تقضي على إخوانهم و زوجاتهم و أولادهم الأحدى عشر، وسط ذعر جمدهما كالجليد، وكان ظلام الفجر رفيقهما ويحرسهما من عيون المهاجِمين، ووقع أقدام القتلة الملطخة بالدماء أثار صمت المكان الذي لفه الردى بعباءته القاتمة، لقد رحلوا تاركين خلفهم مجزرة وويلا ثقب تاريخ 25 يونيو/حزيران سنة 2015.

ذهبنا إلى بيت بروين بعد شهر من وقوع المجزرة، غبار الغياب المفجع يكسو أثاث بيتهم، تأملت أن يحركها السكون، وأن ترف روحها أو عطرها من المرآة أو من صورتها المعلقة فأحركها لتظهر من جديد، أعرف أن كل منا يمشي إلى ميعاد مماته، فهو صديقنا المخلص، لكنني لم أصدق أن بروين تلاشت مع قصصها في الرثاء، يحزنني أنها لم تخبرني عن خوفها وألم الرصاصة في جسدها وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة، واللحظات التي ربما استنجدت بي ولم أسمعها، أخذنا أغراضها وثيابها التي لم تلبس بعضها.

مضى على زواجهما عشرون يوما قبل المجزرة، أقفلنا الباب حاملين كل ما يخصها في حقائب أثقلها وجع الفراق.

ذكرياتي وبروين تظل ترسم التفاصيل التي عشناها، تفتح أبوابا لعودة ما في خيالي، وأراها في منامي بفستان جميل تضيء بصورة تغلب نور النهار وهي في بيتنا القديم الذي دمرته "داعش" أثناء هجومها الأول على كوباني سنة 2014.

مآسينا واقع يتجدد في حواسنا بكل ذكرى سنوية، نعيد حكاياتهم كأنما حدثت أمس، فلا نحظى بلحظة عناق تفرحنا، ولا تكف دموعنا عنا.

 

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.