شعار قسم مدونات

كلوب هاوس.. "دور يا كلام على كيفك دور"

 

يعذرني الأخوة العرب في تصدير مقالتي بهذا العنوان العامي المصري، وهو مطلع من أغنية شهيرة تجمع بين الثنائي الشيخ إمام والشاعر أحمد فؤاد نجم. الأغنية رنت في أذني حينما دخلت لأول مرة إلى ساحة "كلوب هاوس" (Clubhouse)، وهي تدعو المصريين للكلام، وأن يدور ويتحرك كيفما يحلو له.

عادة أهل مصر حينما يستأذن الضيف بالانصراف يقولون له إذنك معك. وفي كلوب هاوس الإذن معك تستمر أو تنصرف، فالبيت بيتك حقيقة لا مجازا. وبمناسبة المجاز فإن علاقتي بالعالم الافتراضي هي افتراضية تنزع إلى التلاقي السريع، ثم التلاشي السريع. مازلت محتفظا بجزء مستقر من نمط الحياة اليدوية في نفسي ومحيطي، قلم وورقة وكتاب وعزلة، أما جدار كلوب هاوس، فلا أعلم السر وراء تلك الجذبة التي تخللتني فور دخولي لأول مرة، وأتخيل أن مرد الأمر لحلم قديم.

 

قديما في هشيم ظلمات الليل كنت آنس إلى سطح بيتي الريفي، أغمض عيني، وفي هدأة من الصفاء كان سمعي يسترق، وكلي ينصت هل يمكن أن أسمع رجيع الأصوات القديمة؟

كنت أظن أن أصواتنا وأصوات الراحلين لم تذهب هباء؛ بل هي سابحة في كهوف الكون، وقد قرأت أنها تحتاج فقط أوعية عالية الدقة ليتسنى لها الاستماع إلى أصوات الأنبياء والحكماء والعاشقين وملايين ملايين الأصوات السابحة في اللانهاية، أو الحبيسة في حواشي الليل. في مفتتح دخولي لكليب هاوس عادت بي الأيام لذلك الحلم العجيب.

 

يحاول هذا الاختراع تقديم منطق إعلامي جديد أو بمعنى أدق تعزيز منطق الصوت أمام الصورة المنتصرة، التي أعلنت أنها تحتكر زمن الإعلام؛ لكن مع هذه الخدمة يخيل لي أن على الصورة أن تحصن نفسها جيدا.

للكلام سحره ووقعه، وخصوصا في الليل، أذكر والذكرى دواء للعليل كما يقول طلال مداح، أن برنامجا إذاعيا قديما كان يسمى "اعترافات ليلية"، كان يشجيني جمال الأصوات التي تتهادى عبره إلى سمعي، وقد أُوقِف فقد كان يفشي الكلام المحرم، الذي تجرمه السلطات.

 

الصوت سر عجيب، نحن لا نلتفت له إلا في حال الاستماع إلى الأصوات الجميلة، رغم أن الصوت في حد ذاته هو معجزة كبرى، أنا بطبعي أحب الإيقاع، والصوت هو روح الإيقاع، أشعر بالغبطة حينما يدق وجداني كلام مقطع موزون منضبط الأنفاس، كأنني أمام قابض يقبض من أثر هذا الوجود.

يخطئ من يظن أن الكون كتلة من الصمت، الكون كائن حساس جدا، لا يتوقف عن إرسال التوقيعات الصوتية، فالصوت هو الروح والصمت هو المادة، والصمت هو الموت، والصوت هو الحياة، وكلما ارتقى الكائن الحي ارتقت معه أصواته؛ لكن احذر فثمة صوت لا يستخدم الكلمات، فأنصِتْ كما يقول جلال الدين الرومي.

وبمناسبة التوقيعات الصوتية أتخيل أن معظم الأصوات النسائية التي أنصت إليها في كلوب هاوس كانت تمتلك قدرات تعبيرية هائلة، وجدتهن يقظات منتبهات يزاوجن بمهارة بين الصوت والصمت. ولم يقطع علي تلك الانتباهات النسوية إلا أصوات لبعضهن قد مزقها سكين التدخين.

يقول صاحب الألفية عن لغة العرب "كلامنا لفظ مفيد كاستقم"؛ لكن فسرت الأنظمة العربية استقامة الكلام باعتباره الكلام الذي يزيد النائمين ثباتا، ويرسل للغافلين غطاء، كلام لا يقلق مستبدا ولا يزعج محتكرا ولا يقاوم محتلا.

 

 

من عدة سنوات خاطب السيسي المصريين قائلا لو سمحتم اسكتوا، ومرة أخرى زعق فيهم اللي مش عارف ميتكلمش، ومرة خاطب نائبا جاهر بالرد عليه، أنت مين؟، صمم السيسي فلسفة للحكم تقوم على الصمت السياسي مع نشر كافة أنواع الهبد، التي أُغرق فيها المصريون، وقد وصل لذروة العبقرية حينما قال متسمعوش لحد غيري، لم يكن عجبا إذن صراخ أحمد موسى عندما ظهر هذا التطبيق "أيوه بقى كلوب هاوس وتعالوا بقى نتكلم".

 

 

كان رفعت السعيد الشيوعي العتيد يقول عن العيال التي أخرجت العفريت من الانترنت يوم 25 يناير/كانون الثاني قبل 10 سنوات إن أدمغتهم خرِبة، لهم فعلا حق، فثورة التدوين أنطقت ميدان التحرير، فماذا ستفعل ثورة النطق ذاتها؟.

 

في الحقيقة التكنولوجيا تنتصر في بعض من وجوهها على الصمت السياسي، خصوصا حينما يجتمع العشاق على أفكار التغيير، وهذا ما لمست بعضه، فكلما مررت على ديار من غرف الدردشة آنست نارا، وأحيانا صراخا، وأحايين أخرى هزارا؛ لكن لم يزل بعض المصريين في إسار صدمة الخروج من كهف الصمت، الجميع محمل بطاقات غضب ومعبأ بعنف لفظي.

كان آخر عهد المصريين بالنقاش هو الدين والدولة والهوية وعلماني أم مسلم، وهي نفسها آخر النقاشات التي استمعت إليها قبل ساعات من كتابة هذا المقال، ولا أعلم من صاغ لهم تلك القضايا، التي ما إن تلوح بلونها الأحمر، حتى يترك الثور قاتله، ويروح يفتك بالمنديل القاني حتى يلفظ أنفاسه على يد الراقص الذي يخدعه، الراقص والمنديل والثورة عفوا والثور.

إن أسوأ ما في نقاشات جيل 25 يناير/كانون الثاني، والحبل على الجرار، تلك القضايا التي تفتت بقايا الوعي المثقوب، هذه النقاشات توصل أسوأ رسالة إلى الجمهور مفادها بأن نخبها تتجادل في موضوعات تشبه نقاش أهل روما عن جنس الملائكة؛ لكن رغم كل ذلك فلدي أمل يدور مع كلام نجم ولحن إمام.

دور يا كلام على كيفك دور

خلي بلدنا تعوم في النور

ارم الكلمة في بطن الظلمة

تحبل سلمى وتولِد نور

يكشف عيبنا

ويلهبنا

لسعة في لسعة نهب نثور

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.