شعار قسم مدونات

التعليم بين الغياب والسيطرة والعبث

التعليم العام بكل أطواره من أهم الميادين التي تمكنت الجزائر من تعريبها (الجزيرة)
فرض تعلم العربية والإنجليزية والفرنسية على تلميذ عمره 6 سنوات لا يوجد بأي دولة (الجزيرة)

يسأل كثيرون: لماذا نجح الجميع وفشلنا، ما الذي ينقصنا حتى وصلنا إلى هذا الواقع المرير: استبداد وتخلف وجمود وقهر وظلم وفقر؟
لعل معظمنا يدرك أن سر النهوض يكمن في التعليم، إذ لا يمكن لأي أمة أن تنهض بدون هذا الأساس.

أقول -عن تجربة وملاحظة وقراءة وبحث- إن مشكلتنا تكمن في التعليم وتحديدًا في غياب الإرادة السياسية، فالسلطات والحكومات -مع الأسف- تدمر التعليم بشكل ممنهج. في الخطط والسياسات على الورق وأمام الكاميرات، ينادون بالإصلاح التربوي، وخلفها يخربون التعليم عمدًا وعن سبق إصرار بمناهج خفية ومقررات تافهة وطويلة وساعات عمل مرهقة للطالب والمعلم، وتدمير القيمة الرمزية للمعلم والانتقاص من مكانته ودوره وتجريده من صناعة القرار، وتغليب المصلحة الحزبية والطائفية عند اختيار القيادات التربوية على المصلحة الوطنية، وفرض 3 لغات (عربية وإنجليزية وفرنسية) على تلميذ عمره 6 سنوات، وهو ما لا يوجد في أي دولة في العالم بأسره.

إن الهدف من تغييب التعليم السليم هو منع الشعب من امتلاك المعرفة والوعي، لأن شعبًا واعيًا لن يركع، ولن يقبّل الأيدي والركب، أو يرى الحكام وزعماء الطوائف في القمر، أو يقدس الأشخاص، وغيرها من الخزعبلات. شعب واع سيدرك دورة ومكانته في الحياة ويدرك حقوقه وواجباته في الوطن، سيسأل عن حقوقه، ويرفض الخنوع للسياسات التي ليست في صالحه، ولن يقبل الضيم، ولن يقدس أحدًا أو يخاف أحدًا. وهذا ما تخشاه الأنظمة السلطوية والتيارات المستبدة وتحاول منعه.

تدمير التعليم سيعطي شعبًا جاهلًا يركع ويسجد للبشر ويقبل الضيم، ويمجد ما قاله السيد والشيخ وولي نعمته، لأنه لا يفهمها أصلًا، ولأن تفكيره وطاقته وهمه هو توفير رغيف الخبز ليسد رمق جوعه وجوع أطفاله، أو لأنه غارق في الاستهلاك، في موضات قصات الشعر، ومشاهدة الأفلام الإباحية، وشراء أحدث إصدارات الهواتف المحمولة، وشراء رقم مميز بألف دولار، ولوحة معدنية لسيارته بـ 3 آلاف دولار فقط لأنها تحمل رقما ذهبيا، همه أن يقيم عرسًا كبيرًا يتحدث عنه الناس، عن ماركة ملابسه التي ظهر بها، وعن البذخ والولائم التي أقيمت، وعن الفنان المشهور الذي حضر عرسه نظير 5 آلاف دولار، أجر سويعات ألقى فيها أغاني تافهة!

وفي أحسن الأحوال يكون زاهدًا يحدثك أن المسلم الحق هو الملتزم بالصلاة والصيام مسالم من مسجده إلى منزله، لا يثور ولا يرفض ولا شأن له بالسياسة وفساد الحكام، ببغاء يحفظ ما قاله سيده وشيخه عن النفر الذين ربطوا على بطونهم من الجوع ويجهل "عجبت لمن لا يجد قوت يومه ولا يشهر سيفه" و"متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أحرارا".

اليوم لو سألنا وزراء التربية والتعليم أو صناع القرار التربوي في الكثير من بلداننا عن أهداف الدولة من العملية التربوية التي يصبون إليها. أي ماذا تريد الدولة من الطالب أن يكون عندما يكمل الدراسة التي تستغرق 12 عامًا في المدرسة و4 أعوام في الجامعة، 16 عامًا يقضيها الإنسان بين جدران المدرسة وقضبان الجامعة؟ أي ما المهارات والعلوم التي تريدونها أن يتعلمها ويجيد أداءها؟ ولماذا؟ وما الروابط بين مختلف المراحل التعليمية؟ وماذا أعدت الدولة لهذا؟.

فأنا على يقين أنهم لن يستطيعوا الإجابة، وقد التقيت بالعديد من مسؤولي الإدارة التربوية من أعلى الهرم إلى أسفله، وتناقشت مع بعض من يعدون الكتب في مواد مختلفة، منها كتب الصفوف الأولى، ووقفت على هذا الأمر بأم عيني.

إن المشكلة باختصار تكمن في غياب الإرادة السياسية، ثم تأتي وتتفرع منها العوامل الأخرى: غياب الرؤية الوطنية، غياب السياسة التربوية الناجعة، والمناهج الركيكة والمستوردة، ضعف كفاءة الإدارة التربوية والكوادر التعليمية، غياب الإصلاح المستمر للمقررات، غياب البيئة التعليمية المحفزة للتعلم.

تلك كانت المشكلة فما الحل؟

إن وجود إرادة سياسية، ثم وضع رؤية وطنية للتعليم وإستراتيجية واضحة لأهداف التعليم (بعيدًا عن التوظيف الأيديولوجي الطائفي وتجاذبات الأحزاب السياسية ونفوذ رأس المال) هي مفتاح حل مشكلتنا، وأساس نجاح المنظومة التربوية والتعليمية، وهي القاعدة المثلى لبناء وتكوين الإنسان.

من هنا يمكن أن يبدأ الإصلاح، بإسناد الأمر إلى أهله من المخلصين من الكفاءات العربية في وضع تصورات إصلاح التربية والتعليم للوصول إلى وضع إستراتيجية ورؤية تخرج التربية والتعليم من كبوتهما..

كما ينبغي توسيع القاعدة في صناعة القرار التربوي، وإعداد وصياغة المناهج من خلال إعطاء الميدان التربوي مساحة للمشاركة في القرار ووضع التصورات، والتخفيف من المركزية الشديدة، ولم ولن يحقق التعليم الرؤية الوطنية ما لم يشرك في صناعة القرار وتقديم المقترحات المعلم داخل المدرسة، لأنه أكثر من يعرف واقع التعليم ومشاكله وحاجات الطلاب وما يصلحهم، ودون هذا سيزيد من فشله.

كما يجب التكامل في هذا الإصلاح: إصلاح المناهج والمقررات والأساليب، إصلاح برامج إعداد القادة والمعلمين في كليات التربية، رفع مكانة المعلم اجتماعيًا واقتصاديًا، إعادة الاعتبار لمهنة التعليم، بحيث تكفل له حياة كريمة له ولأسرته. وإذا ظل المعلم في المدرسة العمومية يبحث عن عمل آخر يوفر له متطلبات العيش الكريم، ويدرس ساعات إضافية في الخصوصي، أو عمل سائق سيارة أجرة، فإن هذا ينهكه ولا يجعله يؤدي دوره التربوي كما ينبغي.

ومن هنا: ما لم نعد النظر في صياغة أهداف التعليم وفق الرؤية الوطنية الشاملة، وفي غايات المعرفة، فسنبقى في مستنقع الجهل والاستبداد والتبعية والاستهلاك، بدون رؤية وبدون أهداف وبدون مشاريع، تنطلق من الداخل، وتلبي حاجتنا نحن لا حاجات الأحزاب والتيارات المتطرفة، وتحقق طموح وأهداف المجتمع لا طموح الطبقات المهيمنة.

أي إصلاح للتعليم والمدرسة لا يتم إلا مع إصلاح البيئة الأساسية في المجتمع، ويبدأ بالواقع السياسي. تخيل ماذا يتبقى في عقل الطلاب وهم يتابعون المناخ السياسي الموجود في العديد من مناطقنا العربية الآن، ومنها مثلا المناطق التي تسيطر عليها المليشيات المسلحة والتيارات الطائفية والأنظمة الفاسدة..

ولا يتم أي إصلاح للمدرسة إلا بوجود دعم سياسي من الدولة ثم تعاون وتكامل الأسرة والمسجد، وإصلاح الإعلام حيث هو من أكبر مغذيات العقل، وهو الذي يمكن أن يؤثر في الثقافة ويمكن له أن يضعف الأثر الإيجابي للتعليم في المدرسة.
إن إصلاح النظام السياسي سينعكس على إصلاح الواقع الاقتصادي والاجتماعي.

ولا يتم الإصلاح إلا بالاعتراف بالمشكلة وأن منظومة التعليم موبوءة: سياسات، مناهج، طرق تدريس، اختبارات، مدارس، معلمون..

كيف تكون المدرسة أحد مجالات الاستثمار التي تسعى لأدلجة الأجيال وتطويعها للأحزاب السياسية والتيارات الطائفية، أو أحد مجالات الاستثمار للربح؟

يجب أن تكون المدارس والجامعات مؤسسات اجتماعية تربوية، غير أيديولوجية، غير ربحية، أي مدارس دولة ومجتمع، أو مدارس أهلية خيرية بإشراف المجتمع.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.