شعار قسم مدونات

فيروس كورونا ومستقبل الاتحاد الأوروبي

blogs كورونا

في ظل تفشي فيروس كورونا في العالم وتسببه بأزمة غير مسبوقة راح ضحيتها عشرات الآلاف حتى الآن، وفي ظل استمرار هذه الجائحة التي يرجح أن تستمر لأكثر من ستة أشهر أخرى، يبدو أن أثرها لن يقتصر على الخسائر البشرية والاقتصادية وإنما قد يمتد ليهدد استمرارية كيانات عديدة كالاتحاد الأوروبي الذي أصبح يعاني في الفترة الأخيرة من جملة مشاكل ألقت بظلالٍ من الشك على مدى جدوى استمرارية هذا الكيان.

فمع تزايد التصريحات الأوروبية الصادرة من شخصيات كبيرة ومؤثرة في الاتحاد الأوروبي تحذر من أثر كورونا على مستقبل الاتحاد الأوروبي في ظل الانكفاء الداخلي لدوله الأعضاء وانعدام روح التضامن الأوروبي الذي ضهر جلياً، ومع بروز العديد من الحوادث في القارة العجوز والتي حملت دلالات واضحة عن مستقبل هذا التكتل، يبدو أن أوروبا ما بعد كورونا لن تكون كما كانت قبل كورونا.

في الأيام الماضية سمعنا العديد من السياسيين الأوروبيين الذين أبدوا سخطهم من ردة فعل الدول القوية في الاتحاد، وربما كان كلام الرئيس الصربي "ألكسندر فوتشيتش" الأكثر صراحةً والذي قد يعد مرجعاً تاريخياً يدرج في كتب التاريخ كبداية لتفكك الاتحاد الأوروبي، عندما قال بأن التضامن الأوروبي هو قصة خيالية ومجرد وهم لا وجود له في الحقيقة.

وسط هذه الحالة من الوعي الجديد في ظل الانغلاق بين دول أوروبا، وضعف الروابط بينها، قد يبدو من المرتقب بعد انجلاء هذه الأزمة هو امتثال السياسيين إلى سخط الشارع الذي قد يطالب بالسير على خطى بريطانيا في الخروج من الاتحاد

من جهة أخرى برز خلال الفترة الماضية أيضاً العديد من الحوادث التي قد تدعم ما سبق من أفكار ربما كان أبرزها حادثتين اثنتين لخصتا كثيراً حالة التضامن في الاتحاد الأوروبي التي أصبحت معدومة، الحادثة الأولى كانت باستيلاء السلطات التشيكية -حسب الإعلام الإيطالي- على أقنعة طبية واقية ومستلزمات طبية أخرى كانت مرسلة من الصين إلى المشافي الإيطالية لمساعدتها في التعامل مع فيروس كورونا، أما الحادثة الثانية والأخطر والتي حملت العديد من المدلولات فكانت قيام عدداً من المواطنين الطليان في عدد من المدن والبلدات برفع العلم الصيني بعد انزال علم الاتحاد الأوروبي تقديراً للدعم الصيني لإيطاليا في مواجهة تفشي فيروس كورونا.

يقود التفكير في هاتين الحادثتين اللتان فرضهما فيروس كورونا إلى التكهن بأشكال جديدة محتملة لمستقبل العلاقة بين دول الاتحاد الأوروبي ومستقبل الاتحاد الأوروبي ككل، فأخطر ما أفرزته أزمة فيروس كورونا في تكتل الاتحاد الأوروبي هو استقرار وعي المواطنين في دول الاتحاد وخاصة في الدول التي تعاني من انتشار كبير للفايروس كإيطاليا وإسبانيا أو حتى الدول الصغيرة في الاتحاد هو أن السبيل الوحيد للحماية ضد الأخطار المستجدة مستقبلاً هو حماية دولهم الوطنية بعيداً عن التكتل، أي زيادة الوعي لديهم لأهمية مصلحة الدولة على مصلحة التكتل وديمومته بعد أن أثبت التكتل عدم نجاعته في التعامل مع الأزمة في ظل عجز دوله على الاتفاق على خطة مالية مشتركة في مواجهة أزمة كورونا التي يبدو أنها ستسبب ضرراً كبيراً باقتصاد التكتل.

وسط هذه الحالة من الوعي الجديد في ظل الانغلاق بين دول أوروبا، وضعف الروابط بينها، قد يبدو من المرتقب بعد انجلاء هذه الأزمة هو امتثال السياسيين إلى سخط الشارع الذي قد يطالب بالسير على خطى بريطانيا في الخروج من الاتحاد، وفي حال لم يستجب السياسيون الحاليون فإننا قد نشهد صعوداً لأحزاب اليمين المتطرف الذي سيستغل الأوضاع الجديدة لمحاولة تطبيق أفكاره التي ينادي بها منذ سنوات والتي يتصدرها تفكيك الاتحاد الأوروبي بهدف إعادة الروح السيادية للدول الأوروبية سواءاً لأسباب اقتصادية أو اجتماعية أو أيديولوجية، وفي كلتا الحالتين قد تكون النتيجة واحدة وهي تصاعد الخلافات بين أعضاء الاتحاد وربما انعدام الثقة بينهم والتي قد توصل إلى انهيار الاتحاد.

بالمحصلة يمكن القول إن أزمة بهذا الحجم غير المسبوق من الخطورة لا بد بعد تجاوزها من أن تؤدي إلى مقاربات تُحدث تغييراً كبيراً في عمق الرابطة الأوروبية، خاصةً وأن الاتحاد الأوروبي ما زال يرزح تحت رحمة التوترات بين الدول الأعضاء والصراعات الاقتصادية والقومية وتباين المستوى بين أعضائه، وخاصة بين دول الشمال ودول الجنوب، إلى جانب الاختراقات التي لا تزال قائمة وخطيرة من قبل دول خارجية كالصين وروسيا ففي مواجهة هذه الحالة الطارئة التي تشهدها القارة في خضم جائحة كورونا، التي لا تحترم الحدود السياسية أو المناطق الجغرافية، ستجد الدول الأعضاء نفسها أمام معضلات صعبة تهدد مستقبل الاتحاد.

فهل نحن أمام أفول نجم وتفكك الاتحاد الأوروبي وتفكك روابط الأخوة الغربية المبنية على المبادئ البراغماتية؟ أم سنكون أمام اتحاد أوروبي أكثر قوة وترابطاً بعد تدعيم التكامل بين دوله؟، فهذه الأزمة قد تكون هذه هي نقطة النهاية، وهي ذاتها قد تكون نقطة البداية، فالأيام والأشهر القادمة ستمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الاتحاد الأوروبي على عودته القوية إلى الساحة الدولية ولعب دور رئيسي فيها، أو مواصلة الانحدار الذي يستمر منذ سنوات.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.