شعار قسم مدونات

هل يكسر الحجر المنزلي الصورة النمطية للأمومة؟

blogs عائلة

فرض تفشي فيروس كورونا نفسه على سكان الأرض وألزمهم بيوتهم وقلب روتينهم اليومي رأساً على عقب. وعلى الرغم من التغييرات التي طرأت على حياتنا في الآونة الأخيرة إلا أن هناك بعض الحقائق الثابتة التي تقاوم التغيير وتعاند الظروف. ومن هذه الثوابت طبيعة الأم المعطاءة واستعدادها الدائم لخدمة أفراد الأسرة بتفانٍ وإخلاص، فما بالكم بعطاء الأم في فترة الحجر المنزلي التي جمعت أحبتها تحت سقف واحد لفترةٍ قد تطول أو تقصر. منذ إقفال المدراس والجامعات قبل أسابيع والضغوطات على الأم تزداد كمّاً ونوعاً.

  

ومع أنها معتادة على القيام بمهام عدة في آنٍ واحد، إلا أن إضافة عامل التوتر والقلق من انتشار المرض وارتفاع عدد المصابين والوفيات في كافة بلدان العالم إلى معادلة الاعتياد بات عبئاً ثقيلاً عليها. فقد أصبحت مجبرة على لعب عدة أدوار مختلفة، منها دور المعلمة والمرشدة النفسية وخبيرة حل النزاعات بين الأبناء والطباخة الماهرة التي تعد ما لذ وطاب من أطباق رئيسية ووجبات خفيفة والتحلية وتلبي طلبات الكبير والصغير كلما اشتهت نفسه أو اجتاحه الملل.

   

وبالإضافة إلى كونها أماً عاملة اضطرتها هذه الظروف إلى ممارسة وظيفتها عن بعد، أمامها أيضاً واجب بث الطمأنينة في هذه الأجواء المشحونة، وتخفيف عبء الجلوس أو العمل من المنزل عن الزوج وإبعاده عن مصادر الإزعاج قدر المستطاع، وهو أمر شبه مستحيل مع ضيق مساحات البيوت في المدن وصعوبة ضبط الأبناء الصغار في غياب بديل الترفيه الخارجي. أضف إلى ما سبق ضرورة الالتزام بمعايير وإرشادات السلامة من تنظيف وتعقيم كافة أرجاء المنزل عدة مرات في اليوم وتذكير أفراد الأسرة بأهمية غسل اليدين باستمرار. فإن لم يقدّر الزوج زوجته بعد مراقبته لجدولها اليومي عن كثب، فلا أدري متى سيفعل ذلك.

   

من فوائد هذه الأزمة أنها وضعتنا في مواجهة أزمات عائلية واجتماعية أخرى سببها بعض الصور النمطية التي برأيي آن الأوان لكسرها حفاظاً على تماسك الأسرة في هذه الظروف وما بعدها

وهنا اسمحوا لي أن أشيد بكل زوج متعاون يعين الزوجة في الأعمال المنزلية خلال هذه الأزمة وما قبلها، خاصةً وأن استدعاء عاملات التنظيف اللواتي يعملن في المنازل بدوام جزئي لم يعد خياراً سليماً بسبب الحجر. وأودّ أن أثني على الوالدين اللذين قررا منذ اللحظة إيكال بعض الأعمال البسيطة إلى الأبناء والبنات حسب أعمارهم وقدراتهم الجسدية. فهذه الظروف فرصة لا تعوّض لتعويد الأبناء على تحمل المسؤولية وتعليمهم أهمية تكاتف العائلة في مجابهة التحديات وضرورة دعم الأم، نواة الأسرة، نفسياً من أجل استمرار دورة الحياة. فمن حق الأم أن تحصل على قسط كافٍ من الراحة لكي تغدق على أسرتها المحبة والحنان وتؤدي واجباتها التربوية على أكمل وجه.

  

ومن فوائد هذه الأزمة أنها وضعتنا في مواجهة أزمات عائلية واجتماعية أخرى سببها بعض الصور النمطية التي برأيي آن الأوان لكسرها حفاظاً على تماسك الأسرة في هذه الظروف وما بعدها. منها مثلاً الصورة السلبية والمغلوطة عن حياة "ربة المنزل"، تلك المرأة التي قررت التفرغ للتربية والتوقف عن العمل لسبب أو آخر. وأعتقد أن أكثرنا سيعيد النظر في حكمه على هذه الإنسانة المضحية إذ أن تدبير شؤون البيت وتلبية الاحتياجات النفسية لكل فرد من أفراد الأسرة من المهام الشاقة المرهقة التي لا تصبر عليها إلا الأم.

   

ومن الصور النمطية الجديرة بالذكر أيضاً امتناع بعض الرجال عن أداء الواجبات المنزلية إما لاعتبارات جندرية تربوا عليها تحقّر من العمل المنزلي، أو خوفاً من نظرة المجتمع الدونية للزوج الذي يتقاسم مع زوجته مهام رعاية الأطفال ويشاركها أعباء التنظيف والترتيب وشراء الحاجيات وغيرها من الواجبات التي تقع على عاتق المرأة عادةً. ولا أظن أن هذه الأعمال تنتقص من قيمة أي من الجنسين، بل هي أعمال ضرورية جداً للحفاظ على صحة الأسرة وحمايتها من الأمراض والجراثيم والفيروسات، كما تشهدون اليوم.

  

ولعل هذا الفيروس الصغير أتى ليذكّرنا بقيمة نسيناها في خضم الحياة والفورة التكنولوجية وهي التواضع، التواضع لله وعدم التكبّر على أي مخلوق من مخلوقاته مهما علت مكانتنا وشهادتنا الجامعية، فقد كرّم الله بني آدم وأوكل إليهم مهمة إعمار الأرض. ولكل فرد منا قيمة ووظيفة لا تقل شأناً عن وظيفة الآخر، "اعملوا كلٌّ ميّسر لما خلق"، كما قال الرسول الحبيب عليه الصلاة والسلام، قدوتنا في التواضع وخدمة الذات والإحسان إلى الزوجات. إن المحن تظهر معادن البشر، فطوبى لمن كان معدنه أصيل فحفظ الجميل وردّه بأجمل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.