شعار قسم مدونات

الرأي العام والحروب العادلة.. كيف تُصنع "البروباغندا الأمريكية"؟

blogs أمريكا

في كتاب صناعة الرأي العام والحروب العادلة للمؤلفين سيرج حليمي – دومينيك فيدال – هنري مالرو ترجمة الدكتور عبد الرزاق الزاهر. يتناول المؤلفون الثلاثة بالعرض والتحليل مسألة صناعة الرأي العام عن طريق الاعلام المكتوب والمرئي والمسموع، هذا الإعلام الذي صار عولميا خاضعا للشركات الكبرى، ما جعله ينأى عن الحقائق ويزيفها في أحايين كثيرة، يضع الضحية والجلاد في ميزان واحد، حسب المؤلفين هذا الإعلام لا يخدم سوى رأسمالية البنتاغون، حيث صارت الولايات المتحدة الأمريكية تصنع إعلاماً يوافق أجندتها العسكرية والاقتصادية.

فالإعلام الأمريكي لا يوجد بالضرورة فوق الأراضي الأمريكية فقط، ولا ينطق الإنجليزية كلغة وحيدة، إنما هو إعلامٌ يوجد في كل البقاع تدعمه وتموله شركات عملاقة، يخضع لتوجهها ويخدم أرباحها، ومن الغريب أن تقوم شركات صناعة الأسلحة بتمويل مؤسسات إعلامية عريقة كما هو الشأن بالنسبة لمنشورات هاشيت التابعة لمجموعة لاغاردير، وسوكبريس التابعة بدورها الى مجموعة داسو من أكبر صانعي الطيران المدني والعسكري (رافال، ميراج، فالكون) أما جريدة لوموند وقناة ت ف١ الفرنسيتين فهما ممولاتان من طرف عملاق الطيران المدني والعسكري الأمريكي "بوينغ". ما دفع عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو للقول: "لا افهم ما يجري في القناة الفرنسية الأولى، والسبب بسيط، أنها تنتمي إلى مجموعة بوينغ العالمية".

حرب كوسوفو:
مع بداية الاجتياح الأمريكي لأفغانستان وتقتيله للمدنيين الأبرياء الذي لم تعرهم كاميرات وسائل الإعلام أي انتباه، في حين ركزت على المصابين من الجيش الأمريكي والحديث مع عائلاتهم وظروفهم النفسية

ما السبب الذي جعل الإعلام يهتم بهذه الرقعة الجغرافية الصغيرة في شرق أوروبا، هل هو دافع إنساني؟ طبعا لا، هناك أشياء تطبخ في الكواليس، صور الجثت، اللاجئين، الأطفال الصغار، تنديد دولي بالمجازر التي يرتكبها نظام مليزوفيتش في المنطقة، رأي عام دولي يتشكل تمهيداً لاجتياح بري قادم من طرف حلف الشمال الأطلسي بزعامة العراب الأمريكي. أمريكا تروج على أنها مسؤولة عن العالم وحقوق الإنسان فيه، تضع يدها في كل صغيرة وكبيرة، في الحقيقة لا يهمها شئ من ذلك، المهم هو الحفاظ على الزعامة وخدمة أجنداتها بغطاء دولي، الدول الكبرى تساند التدخل البري في المنطقة، إعلامُ هذه الدول يتناغم مع الرواية الرسمية، كمثال على ذلك الإعلام الفرنسي الذي اعتبرها حربا إنسانية، في حين أنها دمرت الإنسان حسب سيرج حليمي.

تضارب الأنباء حول عدد الضحايا والمفقودين والمقابر الجماعية، كان هناك تضخيم في أعداد الضحايا وتم تحميل نظام ميلوزوفيتش المسؤولية، وكأن ضربات النيتو الجوية كانت تقصف الورود بدل نابالم، وإن حدثت مجزرة بعد ضربات جوية استهدفت مدنيين يتم الحديث عن خطأ غير مقصود. شبكة التلفزيون الأمريكية ن بي سي التي تدين بالولاء لسيدها جنرال إليكتريك تاجر الأسلحة، الذي يصنع أحسن الأخبار في نفس الوقت إلى جانب المحركات الجميلة لكل طائرات الناتو.

حرب أفغانستان:

من برج التجارة العالمي إلى جبال تورا بورا حيث معقل حركة طالبان وزعيمها أسامة بن لادن تطورت الأحداث وتسارعت السياسة الأمريكية صارت أكثر براغماتية تحت شعار "معنا أو ضدنا في مواجهة الإرهاب". وسائل الاعلام العالمية تغطي بشكل كبير التفاصيل الدقيقة لحادث تفجير برجي التجارة العالمي، وردود الأفعال خاصة رد الفعل الأمريكي. أفغانستان وحركة طالبان حليفة الأمس بالنسبة للأمريكان أثناء حربها ضد الاتحاد السوفيتي، صارت عدوة اليوم. الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن يتحدث "لماذا يكرهوننا نحن الأخيار؟" سؤال يحمل في طياته جواب واضح يكرهوننا نحن الأخيار لأنهم أشرار حسب دومينيك فيدال، تضارب الأنباء حول عدد الضحايا في مركز التجارة العالمي بين 3000 و5000 قتيل.

مع بداية الاجتياح الأمريكي لأفغانستان وتقتيله للمدنيين الأبرياء الذي لم تعرهم كاميرات وسائل الإعلام أي انتباه، في حين ركزت على المصابين من الجيش الأمريكي والحديث مع عائلاتهم وظروفهم النفسية، من جديد يتم الحديث عن أخطاء في التقدير، رغم أن هذه الأخطاء أودت بحياة مئات المدنيين من الأطفال والنساء، يتساءل دومينيك فيدال كيف تخطئ الطائرات الأمريكية في القصف مع العلم أنها تمتلك أحدث التكنولوجيات وأكثرها فعالية؟

حرب العراق:

المصطلح الحقيقي هو غزو العراق لأن هذه الحرب كانت غاية وهدفاً أمريكياً بمساعدة بريطانية، فمجلس الأمن لم يرخص لهاته الحرب، والحليف الفرنسي عارض التدخل الأمريكي في العراق، شيراك تحدث عن تداعيات هذا التدخل على العالم والمنطقة، الموقف الفرنسي تناغمت معه الصحافة الفرنسية التي واجهت الاجتياح الأمريكي- البريطاني للعراق بتغطية كبيرة. البروبغندا الأمريكية عملت على شيطنة نظام صدام حسين، من خلال الإعلام الأمريكي (صدام نازي جديد)، فبركة معطيات غير صحيحة تبين فيما بعد أنها ذرائع لغزو العراق ونزع أسلحة ذرية لا توجد سوى في مخيلة السياسيين الأمريكيين. المؤلف يحبل بالعديد من المعلومات والأرقام الحصرية والدقيقة عن ثلاثة حروب معاصرة: حرب كوسوفو، حرب أفغانستان، حرب العراق ولعل اختيار المؤلفين هذه الحروب الثلاثة راجع إلى تطور الوسائل التكنولوجية المستعملة في تغطية الأحداث أو تحريف الأحداث إن صح التعبير.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.