شعار قسم مدونات

حركة طالبان.. تكتيكات القتال والتفاوض وصولاً لاتفاق السلام

blogs طالبان

بدأت القصة في عام 1994م، حين ظهرت قوة طالبان على الأرض الأفغانية، بعد تفاقم تناحر قادة المجموعات الإسلامية على الحكم، تشكل أغلب رواد هذه الحركة الجديدة ممن ينتمون إلى طلاب العلوم الدينية، وبعد مرور عامين تمكنت طالبان من الاستيلاء على "كابل" العاصمة.

حكمت طالبان أجزاء كبيرة من أفغانستان من (1996-2001)، وبعد تفجيرات الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة أصبح "أسامة بن لادن" وتنظيمه على رأس الأهداف المرسومة في استراتيجية الولايات المتحدة، وبسبب إيوائه من قبل حركة طالبان في أفغانستان، أعلنت الإدارة الأميركية أن "بن لادن" سعودي الجنسية يمثل العدو الأول للولايات المتحدة واتهمته بأنه وراء التخطيط لعمليات تدمير مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى البنتاغون في واشنطن، وبدأت بتحرك نشط تحت شعار بناء تجمع دولي لمكافحة الإرهاب، وشمل هذا النشاط الكثير من دول العالم.

على أثر تفجيرات الحادي عشر من أيلول، أظهر الرئيس بوش ميل جارف للانتقام من تنظيم القاعدة الذي يتزعمه "أسامة بن لادن" باعتباره المسؤول عنها، فكان الهدف أفغانستان وحركة طالبان باعتبارها تأوي التنظيم وزعيمه، وقتها بدت القدرات العسكرية بين الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها وحركة طالبان غير متوازنة، على صعيد التحالف الدولي فكانت مكونات القوة مبنية على:

نشأ وترعرع رجال قبائل "البشتون" الذين يملؤون صفوف طالبان داخل ثقافة حرب العصابات، وتعلم معظمهم القتال في سن مبكرة، وكان جنودها ذوي لياقة عالية بالفطرة، آلفين للبندقية، ومعتادين على المشقة والمخاطر

– القوات الجوية والصاروخية، وتكونت من حاملات طائرات "كارل فنسن" و"انتر برايز" "روزفلت" مع طائرات (B-52) و(B-1) وحاملة الطائرات "كيتي هوك" وشاركت بريطانية بحاملة طائرات "ريلاستريوس"، بالإضافة لطائرات (U2) و(غلوبال هوك) لأغراض التجسس، ومجموعة من طائرات الهليكوبتر.
– القوات البرية، بعد دراسة مستفيضة لتقارير الاستخبارات التي حصلت عليها الولايات المتحدة خلال فترة قصيرة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، تكونت القوات البرية من الكتيبة (26) مشاه البحرية "مارينز" وقوتها (2200) مقاتل، والكتيبة (75) "Ranger" صاعقة وقوتها (1500) مقاتل، وقوة برية بريطانية قوامها ثلاثة وعشرون ألف عنصر، وقوة خاصة "أسترالية" قوامها ألف وخمسمائة مقاتل.
– القوات البحرية، شملت غواصات أميركية مخصصة لإطلاق صواريخ عابرة من طراز "توماهوك"، ومجموعة من أربعة عشر سفينة أميركية في المحيط الهندي، وأربع مدمرات، وخمس كاسحات الغام وثلاث غواصات نووية بريطانية، كما تم تهيئة مركز التنصت البريطاني الموجود في جزيرة قبرص لاستلام المكالمات عبر أفغانستان.

أما مكونات القوة والتسليح لدى حركة طالبان فتكونت من الأسلحة "سوفيتية" الصنع حصلت عليها طالبان جراء هروب أعداد غفيرة من الجيش الأفغاني والتحاقهم بالجماعات المسلحة بعد الغزو السوفييتي، وكذلك من بقايا الأسلحة المصرية "صنع سوفيتي" التي جرى تسويقها إلى أفغانستان عبر باكستان باتفاق أمريكي لمقاومة الشيوعية، وبقياس تسليح جيوش دول الجوار فإن الحركة تبقى متأخرة بفارق كبير، فالمتيسر لديهم بنادق آلية، وهاونات ومدفعية من عيار (122) ملم و(130) ملم ودبابات بأعداد قليلة من طراز (T-55) (T-54) أما طائراتهم المقاتلة فإن أحدث ما لديهم من طراز (MIG-21) القديمة.

في يوم 7 تشرين أول 2001 بدأت القوات الجوية الأمريكية والحليفة بضرب المدن والأهداف المختلفة في أفغانستان، وخلال أسبوع واحد تم إطلاق أكثر من ألفي صاروخ، وتبعها نهاراً قيام المقاتلات الأمريكية بقصف القواعد الجوية ومقرات الحركة، مع تركيز مكثف على دفاعات الحركة في المناطق الامامية المواجهة لقوات التحالف الشمالي في منطقة مزار الشريف، ويبدو أنه على اثر الضربات القوية، قررت الحركة الانسحاب والاختفاء من المدن والتمركز في الجبال والقرى البعيدة، والانتقال لمرحلة جديدة من حرب العصابات الحقيقية التي تجيدها بدلاً من الدفاع عن المدن بما يتطلبه ذلك من حشد قوات ستصبح تحت رحمة القصف الأمريكي.

نشأ وترعرع رجال قبائل "البشتون" الذين يملؤون صفوف طالبان داخل ثقافة حرب العصابات، وتعلم معظمهم القتال في سن مبكرة، وكان جنودها ذوي لياقة عالية بالفطرة، آلفين للبندقية، ومعتادين على المشقة والمخاطر، وقد كانوا فاهمين لقواعد النيران والمناورة، والتحرك بسرعة عبر التضاريس الصعبة بالفطرة، كما أنهم ضليعون في التملص والهروب، ويعرفون تماما كيف يتم تجنب الضربات المدفعية والجوية. ساعدت الطبيعة الريفية للحرب في أفغانستان طالبان على الانتشار في نطاق واسع بين العديد من القرى والمدن، وهو ما فرض على قوات التحالف الانتشار في العديد من القواعد الصغيرة "المتباعدة"، مما يطيل عادةً الطريق على حركة الإمداد، ويجعل مراكز القواعد عرضة للهجمات المركزة، وهنا بات تأمين الطرق بالكامل أمرا مستحيلا عبر هذه المسافات الطويلة.

تعتبر كمائن الكر والفر التكتيك المفضل لطالبان، حيث أن خطورتها بالنسبة لهم قليلة مقارنة بالتكتيكات التقليدية، كما أنها لا تتطلب خبرةً واسعة وأعدادا كبيرة من المقاتلين، معظم كمائن الحركة هي كمائن كر وفر من خلال تثبيت الهدف باستخدام العبوات الناسفة وقذائف الآربي جي ونيران الأسلحة الصغيرة، ثم الالتفاف عليه وتطويقه والاقتراب منه، لهذا التكتيك امتياز الاحتفاظ بالمبادرة ومكنهم من الإفلات دون أن يصابوا، جعلت المسافات الكبيرة جدا والتضاريس فائقة التعقيد منع هذا النوع من الهجمات بشكل نهائي أمرا مستحيلا، بالإضافة لتأثيراته المدمرة على القدرات اللوجستية لأي جيش نظامي.

undefined

أيضاً الجانب الاستخباري كان له دور واضح في نجاح تكتيكات القتال لطالبان، من خلال تجنيد شبكةً واسعة من المخبرين والمراقبين الأماميين الذين يراقبون عن كثب تحركات قوات التحالف، سواء الراجلة أو الراكبة أو المروحية، لذا، هذا الجانب منحهم دراية مسبقة بمعظم الدوريات والقوافل وحركتها. ومن ضمن التكتيك المتبعة، الهجوم المتكرر على المواقع الثابتة المعزولة، التي تحدث بالغالب في الليل، أي في الوقت الذي يتمتع فيه المقاتلون بحرية أكبر، حاولت طالبان تثبيت قوات التحالف داخل قواعدها، وسيطروا على العديد من نقاط التفتيش وحاميات الشرطة، هذا التكتيك جعل قواعد قوات التحالف في موقف دفاعي واصبحت المبادرة بالهجوم في يد طالبان.

وبالرغم من ان طالبان أكثر ضعفا في قواعدها ومراكزها، إلا أن هذه المواقع لطالما خضعت لحراسة جيدة، وكان قادتها على علم جيد بالعمليات الوشيكة وطرق التقدم المحتملة لقوات التحالف، كما أن مقاتلي طالبان كانوا على دراية جيدة بطرق التملص من التطويق والتهرب من الهجمات الكبيرة.
اعتمدت تكتيكات طالبان في المفاوضات على استمرار العمليات المسلحة ضد أمريكا بالتوازي مع سير المفاوضات، كنوع من الضغط على المفاوض الأمريكي ولمنعه من المماطلة، وعلى الجانب الآخر تريد الإدارة الأمريكية الخروج بأقل الخسائر بعد فقدانها أكثر من 2500 جندي منذ بدء الحرب عام 2001، فضلا عن تجاوز ميزانية الحرب أكثر من ترليون دولار، بالتالي لم تكن المفاوضات الأمريكية مع طالبان من موضع قوة ونجاح، بل جاءت عقب فشل الاستراتيجيات العسكرية الأمريكية في أفغانستان عن كسر شوكة طالبان، ومحاولة دفعها للقبول بتسوية هزيلة مع ذروة وجود القوات الأمريكية وحلفائها.

هذا الامر وعته مبكراً طالبان مما جعلها في وضعية مريحة، برهنت الحركة على أنها قوة قتالية مؤثرة في أفغانستان، وأن التوصل إلى سلام لا يمكن أن يتحقق دون التفاوض معها، وباتت الدول الكبرى تتسابق لخطب ودها. هنا دخلت الولايات المتحدة في مفاوضات مباشرة مع الحركة، وحصل أول لقاء بين مسؤولين أميركيين وممثلين عن "طالبان" في مدينة ميونخ الألمانية بحضور شخصيات قطرية وألمانية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2010، في عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ثم توالت بعد ذلك اللقاءات، وقد تركز تكتيك طالبان خلال عملية التفاوض على استمرار إطلاق النار بالتزامن مع المفاوضات كنقطة ضغط على حساب المصالح الأمريكية، بهدف إظهار القوة والسيطرة على الأرض من أجل تحقيق الاشتراطات التي تفرضها على طاولة المفاوضات، وطبقت الحركة مقولة الجنرال جياب الفيتنامي الذي قال، "إن الكرامة الوطنية لا تسمح لنا بالتفاوض مع الدمى العميلة في الجنوب المحتل، ولن تسمح لنا بالاستسلام للغطرسة الأميركية"، من خلال رفضها التفاوض مع الحكومة الموالية للولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد 19 عاماً من الصراع والقتال، وقعت الولايات المتحدة الأمريكية، وحركة طالبان الأفغانية، اتفاق إحلال سلام في قطر، رضخت الولايات المتحدة الأمريكية بموجبه بسحب باقي قواتها وقوات حلفائها خلال 14 شهرا، والإفراج عن السجناء السياسيين، لما يصل لخمسة آلاف سجين تابعين لحركة طالبان، وذلك بهدف بناء الثقة بين الأطراف وتعزيز التنسيق بينهم، يعد هذا الاتفاق نصراً لطالبان على الولايات المتحدة بفضل ما استخدمته من تكتيكات عسكرية وتفاوضية مترابطة ومنسجمة مع بعضها، فالخروج الأمريكي بهذه الطريقة، يعني فرض طالبان منطقها، وتوسيع قاعدة شعبيتها بين أتباعها، وان عدم نزع سلاح طالبان الذي لم يشر له الاتفاق، سيعزز من سيطرتها على أجزاء أكبر من أفغانستان في قادم الأيام.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.