شعار قسم مدونات

التعليم المدرسي ما بين التسرب والالتزام

مدونات - تعليم

يعد التعليم حقاً إنسانياً اتفقت عليه كافة العهود والمواثيق الدولية، حقاً تكمن أهميته بتقوية وتمكين الحقوق الأخرى كحرية الرأي والتعبير وحق المشاركة والمساءلة والحق بالأمن والمساواة والتي باتت بديهية لا جدال فيها لجيل متعلمٍ منفتحٍ وواعٍ لانتزاع حقوقه الأساسية. وبذلك ومما لا شك فيه فإن التعليم نافذة الفرد والمجتمع على النمو والتطور والازدهار، والقاعدة الأولى والأساس الأخلاقي لرقي وتقدم الأمم والشعوب، فقد بات التعليم أداة استثمار حقيقي في رأس المال البشري لتطوير معارف ومهارات الأفراد وإكسابهم قيم واتجاهات وطاقات إبداعية لتحقيق أهدافه في خلق حضارة جديدة تعزز الانسجام الاجتماعي والازدهار الاقتصادي.

ومع الاهتمام الكبير والواسع بالتعليم، فقد جعلت دول العالم التعليم نظاما إلزامياً ومجانياً تضمن من ذلك توفره لكافة أفراد مجتمعاتها بشكل عادل دون تمييز، استناداً إلى أن التعليم حق للجميع. فقد تراوحت مدة التعليم المطلوبة في النظام الإلزامي في أدنى مدة لها 9 سنوات أما أعلاها فهي 13 سنة علماً أن السن الذي يبدأ به الطلاب رحلتهم العلمية في غالبية الدول هو 6 سنوات، ففي فرنسا وكندا يبدأ التعليم الإلزامي من سن 6 حتى 16 سنة في حين يبلغ في مقاطعة أونتاريو الكندية حتى سن 18 سنة، ويبدأ في أستراليا من سن 5 حتى 17 سنة، بينما تم إقرار النظام الإلزامي في الهند عام 2009 من سن 6 حتى 14 سنة.

  

بالرغم من إلزامية النظام التعليمي والإجراءات والتسهيلات في سبيله، إلا أن طاعون التسرب فتك بمفاصله وأرداه ضعيف البنية هزيل الإنتاج

في الميدان العربي لم تكن مدة التعليم الإلزامي بعيدة عن نظيرتها في العالم الغربي، فإن التعليم الإلزامي في مصر يبدأ من سن 6 حتى 18 سنة، ويبدأ في الأردن من سن 6 حتى 16 سنة، وفي لبنان والسعودية تمتد حتى التسع السنوات الأولى من الدراسة للمرحلة الأساسية حيث يلتحق الطالب بالتعليم من سن 6 سنوات حتى 15 سنة. حيث لا يختلف واقع التعليم الفلسطيني عن باقي الأنظمة على المستوى العربي والغربي، حيث ينص القانون على إلزامية ومجانية التعليم في المرحلة الأساسية والتي تبدأ من سن 6 حتى 16 سنة، بما يكفل لجميع الأطفال في عمر الدراسة الحصول على تعليم ينسجم مع احتياجاتهم يسهم في البناء السليم والتكوين المتوازن بكفاءات عالية.

حيث تكتمل معادلة المواطنة والتنمية من خلال رابطة التعليم الأيونية من خلال حشد كافة الدول لجهودها في بناء السياسات التعليمية ومواثيق التعليم، لخلق حالة من التفاعل الإيجابي بين مواطنيها من جهة وبينها ومواطنيها من جهة أخرى، فإلزامية التعليم يمهد لحصول الإنسان على حقه في تكافؤ الفرص والمساواة وانحسار الفروقات بين المواطنين لانخراطهم جميعا في مرحلة تعليمية مشتركة فتعم الألفة والمحبة والتعاون بينهم مما ينعكس تلقائيا على مستوى وعي المواطنين وتحملهم لمسؤولياتهم وأداء واجباتهم لبناء مجتمعهم والمبادرة في بذل خطوات واثقة لبناء مستقبل ومستوى معيشي واقتصادي واجتماعي واعد ولائق.

كل ما قلنا وتحدثنا به غاية الآن جميل، ويعكس فضاءً تعليمياً يفيض بالمثالية والكمال، ثم نهبط من كوكب الخيال لنفتح أعيننا على واقع يحمل بالمقدار نفسه شغفاً ورغبةً بالتعلم ومخالفاً له في الاتجاه الفعلي والممارسة الهادفة لكسب العلم، مما خلق حالة من الإرباك وعدم جدوى التعليم إلى حد ما من الإتيان بثماره. بالرغم من إلزامية النظام التعليمي والإجراءات والتسهيلات في سبيله، إلا أن طاعون التسرب فتك بمفاصله وأرداه ضعيف البنية هزيل الإنتاج. أصبحت ظاهرة التسرب المدرسي ظاهرة مستشريه في جميع البلدان، فلا يكاد يخلو أي واقع تعليمي منها، فكان لها من الأثر الهائل سلباً ليس فقط على الفرد بعينه وإنما حملت عدوى الأمية والبطالة والانحراف والسرقة إلى جميع نواحي المجتمع وبنائه.

  

كل مريض يحمل طبيبه بداخله، ولا ضير أن يلعب المعلم الآن دور طبيبٍ مقيمٍ في المدرسة وليس تحسباً لبعض الحوادث والإصابات وإنما لحقن دماء آفة التسرب

حيث يقف وراء التسرب العديد من الأسباب المتشعبة والمتداخلة والتي تشكل دافعاً قوياً وعاملاً ضاغطاً نحو عدم التحاق الأطفال بالمدرسة وتغيبهم وعدم مواظبتهم على الدراسة دون إتمام المرحلة الدراسية بنجاح، ومن الأسباب الجوهرية التي تفسر هذه الظاهرة على سبيل المثال لا الحصر، أسباب تتعلق بالكيان الاجتماعي والأسري وخاصة ذلك الذي تقل عنده قيمة التعليم كما و يسوده بعض من العادات والتوجهات نحو كثرة الإنجاب وما يتبعه من قلة إشراف الآباء على أبنائهم، وعدم الاهتمام بتعليم الفتيات وتزويجها مبكراً وتدريبها لتصبح ربة منزل، إضافة إلى حالات الطلاق أو الوفاة.

  

أما على المستوى الاقتصادي، فإن الدخل المنخفض والفقر دفع بالكثير من الأطفال في عمر الدراسة إلى ترك مدارسهم والخروج إلى سوق العمل لمساعدة أسرهم في تغطية التكاليف المعيشية، ليكون هذا طوق نجاة ظاهرياً من الفقر، ولكنه حقاً خطراً يجز بالأطفال ما بين رحى التسرب وسندان عمالة الأطفال، وإن حقق التسرب حلاً مؤقتاً لتحسين مستوى المعيشة إلا أنه أحبط قدرات وأجهض مهارات مهنية أُعدمت قبل ولادتها. أما على المستوى التربوي، فإن سيطرة الجانب النظري على المناهج الدراسية وخلوها تقريبا من الجانب العملي التطبيقي، وعدم مراعاتها لاحتياجات الطلاب ورغباتهم وقدراتهم إضافة إلى صعوبتها واكتظاظها بالمعارف أفقد الطلاب الدافعية والرغبة للدراسة. كما ويساعد عدم توفر بيئة مدرسية مريحة جاذبة للطلاب على نمو إحساسهم بالنفور من المدرسة وعدم الانتماء لها.

  

أما طرق التدريس وما يستخدمه المعلم من أساليب تقليدية تلقينيه تكون عاملا طارداً للطلاب من دروسهم وحصصهم لخلوها من عنصر الإثارة والتشويق، ليقل بذلك تفاعل الطلاب وانسجامهم مع معلمهم وموادهم. كل هذه الأسباب أعيت جسد النظام التعليمي بكل جزئياته، حيث أن القضاء عليها كان ضرباً من المستحيل واقتصرت سياسات العلاج على الحد من تفاقم أعراضها، فكان الدواء من أصل الداء، وكما يُقال كل مريض يحمل طبيبه بداخله، ولا ضير أن يلعب المعلم الآن دور طبيبٍ مقيمٍ في المدرسة وليس تحسباً لبعض الحوادث والإصابات وإنما لحقن دماء آفة التسرب. فالمعلم مؤنس لعقول طلابه وقلوبهم، ويداً تداويهم وروحاً تداري همومهم وسرائرهم. فيبني جسور التواصل والحوار والثقة بينه وطلابه، فيطور دائما من نفسه وقدراته وأساليبه، ميسراً لطلابه ليس معسراً، ناصحاً لهم يبث بداخلهم حب العلم، مشجعاً ومحفزاً لهم للبقاء في مدرستهم ومشوقاً لهم لعودة جديدة ما استطاع إلى ذلك سبيلا. فالمعلم وإن لم يملك عصاً سحرية فإن مهمته زرع الصحراء لا أن يقتلع الحشائش الضارة من الحقول.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.