شعار قسم مدونات

الفن والإعلام.. ضد الميز

blogs شيخ الحارة

على منصة التتويج بجائزة الغولدن غلوب الرفيعة قبل عامين، اقتنصت نجمة هوليود المخضرمة، ميريل ستريب، تلك الدقائق التي تجوب شاشات العالم ومنصات التواصل الاجتماعي لتوجه رسالة أصابت كبد الانحطاط السياسي الأخلاقي حين قالت إن أبشع أداء تمثيلي طبع العام كان مشهد الرئيس الأمريكي وهو يسخر بشكل مسرحي من صحفي ناقد له، يعاني مصاعب حركية مرضية. بل مضت أبعد لتندد بسياسة يمينية محافظة ضد الهجرة والتنوع العرقي، مذكرة المحفل الهوليودي بأن نجوم السينما والرياضة ينحدرون من كل البقاع والأجناس. ما الذي يمكن أن يجمع، أو يفرق، بين النجمة ميريل والنجم المصري ماجد المصري. لعله كنه الوعي بالذات والوضع الاعتباري الرمزي للفنان، كحارس لفضيلة التنوع والاختلاف، ومناهض للنزعات الحاطة من الكرامة الإنسانية، التي من الخطورة بمكان التطبيع معها أو ترويجها… ولو من باب الضحك.

 

الفن أكثر من فرجة منتهية. الرسالة الفنية خطرة لأنها تحلق بأجنحة عابرة للأمكنة، وتخاطب جميع الشرائح قافزة فوق الأسوار، منتشرة في البيوت والفضاءات الخاصة والعامة. الفنان ليس مجرد قائم بخدمة تسلية سريعة التلف، بل صورة متجولة تلقح الوعي والرؤية تجاه قضايا الذات والناس والعالم. وبلا تشبع بحساسية هذا الدور، يتحول الفنان من مساهم رئيس في صناعة منظومة قيمية إنسانية وأخلاقية رفيعة إلى عامل إعادة إنتاج وتضخيم للأعطاب التي يشوه بها الجسم الاجتماعي، وقناة شرعنة وتخصيب للأفكار النمطية والأحكام الجاهزة التي تسكن الدرجة الصفر من الوعي.

 

لا ممارسة إعلامية راقية دون تمثل لمضمون الرسالة وحدود الملعب الذي لا ترسمه رقابة سياسية قصيرة النظر، بل منظومة قيم وأبجديات كونية تتعلق بحماية الحقوق الإنسانية الأصيلة

لهذا القول شرطه. على قناة مصرية، تقدم الإعلامية بسمة وهبة ما تصنفه "هارد تالك شو" باسم "شيخ الحارة". تستضيف فنانين وشخصيات عامة في فقرات تراهن على صناعة الجدل والإثارة، من خلال الغوص في كواليس حياتهم الشخصية، أو استدعاء عداواتهم وغرامياتهم ومآسيهم. أقوى الفقرات تلك التي يظهر فيها شخص في خلفية مظلمة، بلا ملامح، وبصوت مضخم. إنه "شيخ الحارة" الذي يتخصص في مباغتة الضيوف بكشف أوراق سرية من حياتهم. سيسائل الممثل ماجد المصري عن قصة "شقاوته" مع الفتيات الثلاث. الواقع أن مفعول المباغتة كان قويا. الرجل ارتبك، لأن المسألة بالنسبة لوضعه الاجتماعي "مشينة أخلاقيا" أمام قاعدة جماهير عربية مازالت شديدة الحساسية للبعد الأخلاقي، تصريحا على الأقل. سيستدرك بأن عمد إلى وضع الحدث في سياق فكاهي تمخض عن "مقلب" من صديق مقرب بعث له بفتيات ثلاث يزعم أنهن يردن "التعرف عليه". ركبن سيارته ورفعن خمارهن! ليفطن النجم المزهو بشبابه الصامد وذكورته الخمسينية إلى أن الأمر يتعلق بـ "إفريقيات.. إفريقيات"!!.. قال في سرده المتهافت إنه صاح في أوجههن وأبعدهن، بعد أن خاب "عشمه" في جميلات موعود بهن. إنهن "إفريقيات".. يكررها، وعلينا أن نفهم… سوداوات البشرة…وإنهن من البشاعة بحيث لم يتمالك السيد ماجد نفسه وطفق يصرخ فيهن.. "انزلوا…انزلوا". كان يعيد تجسيد مشهد انفعاله بحمية بادية بينما تصفق له المنشطة باسمة.

 

السيد ماجد، وفي غمرة الأجواء الفكاهية "السمجة"، سيتمادى في التعبير عن قصور تمثله لقيم المساواة والاحترام اللائق بكل كائن إنساني بغض النظر عن لونه أو عرقه.. أو شكله. ذلك أنه سيحكي أمام إعلامية "مجربة" مصنفة ضمن صفوة إعلاميي البلد، تشجعه على الإسهاب سردا بضحكها الجنوني، كيف رد على صديقه مقلبه، بأن دعاه مع آخر إلى حضور افتتاح "مركز للتدليك" تؤثثه "لبنانيات" فإذا بهما يكتشفان أن الأمر يتعلق بمطعم "فول" وأن المشرفة " ما شاء الله"، بتعبير ماجد، ثخينة كانت، يقصد، على غير ما اشتهت نفوس الخلان.

 

قد يطلع ماجد المصري معتذرا. لكن خير له ألا يدفع بغياب القصد. فإنه زلة كبرى لا تشفع. ذلك أن خطورة الخطاب العنصري والتمييزي عموما في انطوائه على أفكار وتصورات جاثمة في النفس الكسولة التي تجتر تمثلات بدائية انقسامية تمثل الجزء المظلم مما أنتجته دينامية الاجتماع الإنساني. الكارثة كانت محققة لو ران الصمت، وابتلع المحيط المستقبل للمادة الإعلامية تلك الشطحات الشاردة بلا وقفة. لحسن الحظ، وقع شيء، ولربما تضافرت عوامل متعددة لتفرز موقفا مؤسساتيا أعاد التذكير بأمهات الأخلاقيات المهنية. ينبغي تسجيل قرار المجلس الأعلى للإعلام بمنع بث برنامج "شيخ الحارة" لمدة مؤقتة بداعي "ما ارتكبه من مخالفات بحلقة البرنامج المعروضة في ١٩ مايو بالخروج عن القيم والاعراف بشكل يحمل تمييزا وخوضا في الأعراض واستخدام ألفاظ وعبارات مسيئة تتنافى مع حق الجمهور في مشاهدة إعلام هادف ومخالفة ميثاق الشرف المهني والاعراف المكتوبة". وهو قرار أعقب نظيره الصادر عن نقابة الإعلاميين، بإيقاف مقدمة البرنامج عن ممارسة النشاط الإعلامي، وإن لاعتبارات مسطرية أخرى لحين تقنين أوضاعها. أما هي فردت على الضجة بمقطع فيديو من قلب المسجد الحرام وهي تؤدي عمرة رمضان.

 

الإعلام نافذة الفنان على الناس. لكنها ليست في قاموس الأخلاقيات المهنية مشرعة بلا ستائر. لا ممارسة إعلامية راقية دون تمثل لمضمون الرسالة وحدود الملعب الذي لا ترسمه رقابة سياسية قصيرة النظر، بل منظومة قيم وأبجديات كونية تتعلق بحماية الحقوق الإنسانية الأصيلة غير القابلة للتصرف، والتي تفضي في كنه الأمر إلى حماية الحرية ذاتها من عواقب الشطط والجهل. شطحات ماجد المصري ليست حكرا على الفضاء الإعلامي المصري والعربي، بل واردة الحدوث في الغرب، لكن اليقظة العامة هناك، بسلطتها المضادة القانونية والمؤسساتية، وبتحفز ونباهة الضمير الفردي والجماعي، تمنع تكرار السوابق وتحشرها في هامش الهامش.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.