شعار قسم مدونات

الصحافي في معترك القيم.. البقالي يسائل تدافع المهنية والإيديولوجيا

blogs كتاب البقالي

نتحدث اليوم عن أخلاقيات مهنة الصحافة بحماس أدنى، وربما بوتيرة أقل أيضا مقارنة مع العهد الكلاسيكي للممارسة قبل هجمة وسائل التواصل الجديدة والتباس الحدود بين المادة الإعلامية المهنية والنشاط التواصلي الفردي والجماعي في الفضاء الافتراضي. إنها لمفارقة في عصر تستباح فيه الأخلاقيات دون توقف ويضرب عرض الحائط بكل قواعد التحفظ والانضباط التحريري، لكنها مفارقة لها ما يبررها، على ما يبدو. ذلك أنها تنبع من شعور متنام بالعجز عن كبح جماح المارد، وضبط ممارسة مهنية تواجه سؤال هوية : ما الصحافة ومن الصحافي؟. بعبارة أخرى، ثمة إحساس ينتشر على نطاق واسع بأن الوقت فات لرسم خطوط الملعب وفرض الالتزام بهذه الخطوط.

 

والحال أن المنتمين للمهنة وكل المؤمنين بالدور المحوري للفعل الصحافي في المواكبة التنموية للمجتمعات مدعوون، اضطرارا لا اختيارا، إلى خوض هذه المعارك الأخيرة على ساحة ستحسم مآل الممارسة الصحافية، وتتمثل في أخلاقيات المهنة. ولأن الأمر لا يتعلق فقط بوجود إرادة قطاعية وعامة، ولا بسن قواعد وقوانين ضابطة حاكمة، فإن فهم سوسيولوجيا هذه الأخلاقيات، مرجعياتها، تربتها، ارتباطاتها بباقي المرجعيات الاجتماعية والفردية للصحافي، يصبح مقدمة لأي مقاربة استراتيجية تبتغي النهوض بأخلاقيات المهنة وترسيخها كمرجعية أساسية تؤطر عمل الصحافي والمؤسسات الصحافية.

 

هو كتاب باحث ومهني مفرد، لكنه بحجم مجهود مؤسسات بأكملها. قاعدة بيانات وتحليلات معمقة تقودنا الى الوقوف على خلفيات الفاعل الإعلامي الذي قد يصبح في  لحظة سباق على الخبر، وجنون تنافس على الإثارة، عامل تخريب وتحريض وتشويش وتدمير للمعايير وتلاعب بالقيم ونسف للتوازنات. إن كتاب "سؤال المهنية والأيديولوجيا في الصحافة- الحالة المغربية نموذجا"، الذي صدر حديثا للصحافي والباحث محمد البقالي لبنة أولى وإسهام رائد في بناء فهمنا الغائب والضروري لسؤال القيم والأخلاقيات في الممارسة الصحافية.

  

طمح محمد البقالي الذي راكم العديد من التجارب الاعلامية، في مختلف ردهات الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية في المغرب قبل الالتحاق بقناة "الجزيرة"، إلى وضع لبنة في مجال الدراسات الاجتماعية لوسائل الاعلام

الكتاب الصادر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بالدوحة (303  صفحة)، عصارة بحث نظري وميداني، يقترح حفريات متقدمة في محيط الممارسة المهنية للصحافة ومحددات السلوك الاعلامي، بأدوات ومقتربات ومرجعيات بحث رصين، يتجاور فيه البعد الأكاديمي مع التجربة الخاصة للكاتب الذي يعد في ذات الوقت صحافيا لامعا، من موقعه كمراسل لقناة الجزيرة في باريس، وصاحب تجربة غزيرة في تغطية سياقات اجتماعية وسياسية متعددة، ضمنها مغامرات خطرة في تغطية النزاعات المسلحة.

  

إن الدراسة تذهب للإجابة عن أسئلة عميقة من قبل من هو الصحفي المغربي؟ ما هو صنفه من النواحي السوسيولوجية والثقافية والمهنية؟ ما هي مرجعياته الثقافية والمهنية والأخلاقية؟ من خلال نتائج احصائية، حقائق سوسيو ثقافية، عادات وأعراف، مرجعيات صريحة وقناعات حميمة معلنة أو خفية… يعرفنا البقالي على مجتمع الصحفيين من خلال اضاءات كاشفة على الواقع والمعيش المهني والسوسيو ثقاافي لصحافي اليوم من خلال مصدر ضوء مركزي: أخلاقيات المهنة، على حد تقديم جمال الدين الناجي، أستاذ كرسي اليونسكو في المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط سابقا.

 

لقد طمح محمد البقالي الذي راكم العديد من التجارب الاعلامية، في مختلف ردهات الصحافة المكتوبة والسمعية البصرية في المغرب قبل الالتحاق بقناة "الجزيرة"، إلى وضع لبنة في مجال الدراسات الاجتماعية لوسائل الاعلام التي بقدر ما تزدهر في الولايات المتحدة وأوروبا، فإن تراكمها يبقى محدودا في العالم العربي. فحتى الاهتمام القليل كان ينصب على محتوى المادة الاعلامية لا على طبيعة من يقفون وراءها، صناعها.

 

ولعل أربع مقاربات سوسيولوجية تمثل الخط الناظم لهذا الكتاب: مقاربة الهوية للإجابة عن سؤال من هو الصحافي المغربي؟ خصائصه الديموغرافية والسوسيولوجية. المقاربة المؤسسية تشمل البنية الاجتماعية والسياق المؤسسي المحدد لعمل الصحافي داخل  مؤسسته، بيئة عمل الصحافي حدود التوافق والتعارض بين القيم الخاصة بالصحافي وقيم مؤسسته، الضغوط المالية والسياسية. مقاربة القيم المهنية التي تحكم الممارسة اليومية للصحافيين وتحدد رؤيتهم ودورهم في المجتمع، ثم مقاربة القيم الشخصية التي يعتنقها الصحافي على المستوى الفكري خصوصا تجاه قضايا مثار جدل مجتمعي وسياسي.

 

ويعكس تناول محاور الكتاب عدة نظرية قوية ومتنوعة المرجعيات، عربية وفرنكوفونية وأنجلوسكسونية، تنطوي على توظيف ذكي وخلاق، يربطها وظيفيا بمحاور البحث وغاياته الدقيقة، ولا يستدعيها بشكل استعراضي فج. ينخرط المؤلف في استعمال خلاق لآليات البحث الامبريقي، بتوظيف متكامل لمختلف الأدوات من استمارات ومشاركة ومقابلات، مما يعطي للبحث طابعه الحي والملموس، والنفعي أيضا. يتقدم الانفتاح على المراجع النظرية بشكل متلازم وحثيث مع الانخراط في البحث الاجتماعي الميداني، في صيغة تغذية متبادلة. بسلاسة يجيب البقالي عن سؤال من هو الصحافي المغربي؟ يوزع مؤشراته الإحصائية ليعرض لنا بانوراما غنية حول الفئات الاجتماعية التي ينحدر منها، المستوى التعليمي، مستوى تأنيث المهنة، أشكال الممارسة المهنية بين المكتوب والسمعي البصري والإلكتروني.

 

يتوقف عند آليات التنشئة الاجتماعية داخل المؤسسة، فيسائل وجود القواعد المؤسسية التي تعطي للممارسة رفعتها وأصالتها، لكنه يمحص أيضا فعاليتها وجدواها خارج الوجود الشكلي. يتعلق الأمر بآليات اجتماع التحرير كموعد أساسي يفترض أن يلعب دور تعزيز روح الفريق والديمقراطية الداخلية. كما يتعلق الأمر بالخط التحريري الذي تفضي الأبحاث إلى أنه يظل غامضا وغير معلن في جل الأحيان. فنصف الصحفيين تقريبا لم يطلع على الخط التحريري رسميا. "بعضهم تعرفوا إلى الخط بعد تعرضهم للرقابة من مسؤوليهم، فعدم بث البرنامج، أو وقف بثه، أو تلقي تنبيه مكتوب أو شفوي، كلها تشكل لحظات قوية يدرك من خلالها الصحافي ما يجب عمله وما يتعين عليه تركه".

  

يبدو الالتزام بالأخلاقيات في الممارسة الصحافية هشا لعدة أسباب، يجملها الكاتب في التكوين الضعيف في هذا المجال، والاكراهات القائمة على السرعة ما يعرض للوقوع في الاخطاء، وسيادة الافلات من العقاب

يؤكد البحث انطباعا قائما لدى الوسط الاعلامي بوجود نسبة كبيرة من الصحفيين يعملون في مؤسسات لا يتفقون مع خطها التحريري، مما يطرح إشكالية أخلاقية ومهنية كبيرة. لقد تحولت الصحافة الى مهنة "وظيفية" يقدم فيها الصحافي مجهودا مقابل أجر، مع أن الأكاديميين والمهنيين يتبنون عموما موقفا رافضا لهذا التوجه، لأن الصحافة بالنسبة اليهم مرتبطة بالضمير، وتمارس باختيار واعتناق. ويربط الباحث ذلك بعدم ارتباط الصحافي مع المؤسسة بعقد عمل دائم مما يفضي الى ضمور الاحساس بالانتماء. أما في وسائل الاعلام العمومية، فهي توفر فرص الاستقرار الوظيفي لكن بخط تحريري وممارسات مهنية تخالف قناعات كثير من الصحفيين، مما ينتج ممارسة مهنية غير سوية.

 

تستنطق حفريات الباحث مكامن الهشاشة التي تنتج ممارسة مهنية تنحرف عن قواعدها وغاياتها السامية. يتعلق الأمر بما يسميه قوة الاكراه في المؤسسة، من حيث التعرض لتدخلات غير مهنية تقف وراءها دوافع سياسية أو إيديولوجية أو مالية أو إشهارية، بحيث يخلص الباحث إلى أن دور الصحافي في تحديد المحتوى الاعلامي لايزال محدودا، ناهيك عن ثقل مفعول الرقابة الذاتية. يتوقف عند سلطة الاعلانات كوسيلة مؤثرة بيد الشركات الكبرى لتوجيه وسائل الاعلام بما يخدم مصالحها. الاعلان التجاري يتحول الى رشوة مقنعة للموالين، والمؤسسات الاعلامية الخاصة تستمر في معظمها بفضل الاعلانات لأن المبيعات غير كافية.

 

المنافسة سياق شديد الاحتدام في الزمن الإعلامي المعاصر. وهي تدفع، كما يبين الباحث، في اتجاه انتاج مواد الاثارة لرفع نسبة الاستقبال بينما تكون المهنية وأخلاقيات المهنة هي الضحية، ويتراجع مفهوم المصلحة العامة. خلاصات البحث الامبريقي حملت الكثير من الدروس ووضعت الأصبع على مفاصل أساسية في إنتاج مادة إعلامية مشوبة بانتهاك الأخلاقيات المهنية. إنها تكرس حقيقة الاخضاع الناعم بالاغراءات عبر ارتباطات ملتبسة بمراكز السلطة والمال. فأكثر من ثلث الصحفيين أقروا بتعرضهم للاغراء من جهات خارج المؤسسة، والشعار هو الدفع مقابل تلميع الصورة. يفضي البحث أيضا إلى تأكيد حالة القلق القيمي والاخلاقي التي يعيش على ايقاعها الصحفيون أمام اختبار ضميرهم لإنجاز مهمات اعلامية تتعارض مع قناعاتهم، مادامت الأولوية للحفاظ على فرصة العمل.

 

يبدو الالتزام بالأخلاقيات في الممارسة الصحافية هشا لعدة أسباب، يجملها الكاتب في التكوين الضعيف في هذا المجال، والاكراهات القائمة على السرعة ما يعرض للوقوع في الاخطاء، وسيادة الافلات من العقاب، فضلا عن وجود الصحافة في قلب الصراع الاقتصادي والسياسي، والخلط بين الخدمة العمومية والدعاية للسلطة. يرسم البقالي بورتريها تقريبيا لصحافي مغربي يبدأ مشواره باعتماده قيما مثالية ومع تقدمه في السن يصبح أكثر اعتناقا للقيم المصلحية. يسجل نزوعا جماعيا لعدم الانتماء السياسي، وميلا الى عدم الافصاح عن الانتماء الفكري والايديولوجي، وحالة ارتباك قيمي وتمزق بين الأنموذج المحافظ والأنموذج الحديث. صورة بانورامية تتشكل بناء على مؤشرات تتعلق بالمواقف تجاه قضايا جدلية في الساحة العمومية المغربية: الشريعة، المثلية الجنسية، العلاقات خارج الزواج…إلخ.

 

"سؤال المهنية والإيديولوجيا في الصحافة" يدشن مشروعا للفهم لا يمكن تأجيله أكثر في ظل التحولات الثورية للممارسة الاعلامية، ويشكل ورقة عمل قمينة بأن تعتمد من قبل الدوائر المؤسسية المعنية بسؤال تخليق وتقويم الممارسة، لكنها قبل ذلك تشخيص مرآوي يسمح للصحافي أن يحدد موقعه والتيارات التي تتزاحم للدفع به في اتجاهات مختلفة، والخلفيات الواعية واللاواعية التي تؤطر سلوكه المهني، الذي لا ينفصل بالضرورة عن تكوينه الشخصي وموقعه المجتمعي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.