شعار قسم مدونات

غاندي.. السلمية والشجاعة وجهان لعملة المقاومة!

blogs غاندي

لم يرحل غاندي إلا وقد تحول إلى أسطورة حية تخترق الانتماءات والثقافات والأيديولوجيات. لكن الأسطورة يتهددها خطر التحنيط والاختزال، حينما تعدد وتتفرق التيارات والألوية التي تزعم احتكار حقيقتها المتعددة. وإذ يتعلق الأمر بموضوع بالغ الحساسية والأثر من قبيل سؤال المقاومة والتحرر، وجدلية العنف واللاعنف في توخيهما، فإن مزالق القراءات الاختزالية والأحادية لتراث هذه الشخصية الفكري والنضالي تصبح أكيدة وتستدعي استنفار حواس القراءة النقدية اليقظة حماية للوضع الاعتباري الطليعي للمهاتما في ذاكرة الشعوب والوعي التاريخي لنخب المقاومة والممانعة.

الباحث والمناضل الأمريكي اليهودي نورمان فنكلستاين، المعروف بمواقفه السياسية والحقوقية الداعمة للشعب الفلسطيني، وأبحاثه الجريئة الداحضة للشعارات المؤسسة للكيان الإسرائيلي، يطرح في كتاب بعنوان "ماذا يقول غاندي؟ عن اللاعنف والمقاومة والشجاعة" رؤية متجددة تعيد تشكيل صورة غاندي المفكر والمناضل والإنسان. الكتاب صدر مرفقا مع مجلة الدوحة، يهديه المترجم والإعلامي المغربي أحمد زراقي لقراء العربية بترجمة رشيقة مضيئة. 

أما الفكرة الناظمة التي اجتذبت المترجم لخوض هذه المغامرة غير اليسيرة لكونها تخص نقل مجهود نقدي لجوهر فكر شخصية من حجم المهاتما، فهي أن غاندي، كما يبدو متجددا في مختصر هذا البورتريه الذي يجمع شتاته فنكلستاين، قد رفع الشجاعة إلى سماوات ربما قلما رفعها إليها أحد، "خلافا لجلباب المسكنة الذي ألبسه قسرا". يكتب أحمد زراقي في مقدمته أنه "من وسط الحشود المظلومة، قلة قليلة لها الاستعداد لحمل السلاح لرفع الظلم عن كاهلها، والدفاع عن حقوقها. لكن قلة أقل، أو قل أناسا من طينة أخرى، من يستطيعون إلقاء سلاحهم جانبا ليواجهوا المدفع بصدورهم العارية. هنا أبدع غاندي في نحت المقاتل الأعزل، وسار به إلى الانتصار".

بلور المهاتما عقيدة "الساتياغراها" في تشديده على مريدي المقاومة المدنية اللاعنفية بتطهير أنفسهم من جميع الدوافع العدوانية، من خلال الرفض الايجابي الفعال القائم على الحب الخالص والاحساس بالأخر

وبقدر ما رفع غاندي الشجاعة فوق كل القيم والصفات، جعل الجبن أرذل الرذائل، بل إن الجبان لا يستحق في نظره أن يعيش بين البشر. وهي رسالة واضحة لمن يحاول إفراغ الكنه النبيل لمفهوم المقاومة السلمية لتصبح استسلاما بليدا للقوة والغطرسة، وانقيادا متدثرا بشعارات الواقعية وحسابات القوة.

في أول سطر من كتابه ينبهنا فنكلستاين إلى حقيقة الأسطرة المحنطة للمهاتما، حين قال انه بالرغم من كثرة استحضار اسم الماهاتما غاندي، فإنه نادرا ما يقرأ. لقد اختزل في ابتهال يطابق بين اسمه واللاعنف، في حين أن فكره أكثر تعقيدا وتناقضا. يشدد المؤلف على أن غاندي الحقيقي يكره العنف، لكنه كان يكره الجبن أكثر من العنف. وإذا تعذر على أتباعه أن يجدوا في دواخلهم ما يقوون به على المقاومة اللاعنفية، كان يحثهم عندها على استجماع شجاعتهم لرد الصاع لمن يعتدي عليهم أو يحط من قدرهم".

إن سياق الكتاب ودافع تأليفه لا ينفصل عن مجال الاهتمام الرئيس للكاتب الذي يعترف أنه بدأ قراءة غاندي قبل بضع سنوات من أجل استلهام استراتيجية لاعنفية لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وإن كان مجال تطبيق أفكار غاندي ما فتئ يتوسع كثيرا حاليا مع ظهور الربيع العربي وحركات المقاومة اللاعنفية حول العالم. 

ومن الأبعاد الجديرة بالانتباه التي يسلط الباحث فنكلستاين الضوء عليها في نهج غاندي، تلك الخلفية الصوفية الإيمانية الذي تسند رؤيته وتلهم مواقفه، ذلك أنه عندما كان يدخل في حملة عصيان مدني أو إضراب عن الطعام، أو مفاوضات، لم يكن ذلك بعد تقدير مادي لميزان القوى وإنما بدفع من "رغبة داخلية شديدة" أو "صوت داخلي".

إنه مسار متعرج عن عقيدة "الساتياغراها" التي بلورها المهاتما في تشديده على مريدي المقاومة المدنية اللاعنفية بتطهير أنفسهم من جميع الدوافع العدوانية، من خلال الرفض الايجابي الفعال القائم على الحب الخالص والاحساس بالأخر. وكما يكشف الكاتب، فإن القناعة اللاعنفية لغاندي مستلهمة من قراءته الخاصة للتاريخ، أو –إن صح التعبير- للجزء المملوء من كأس الانسانية. فرغم محطات التاريخ الإنساني الطافحة بالعنف، يتمسك غاندي بأن الحب هو القاعدة. إن "استمرار بقاء البشر يظهر أن قوة الوئام أقوى من قوة التشتيت..". ولو كان الحكم للكراهية والعنف "لكنا انقرضنا منذ زمن طويل".

undefined

جوهر الساتياغراها هو التضحية عبر المعاناة الذاتية لكن الجانب الفعال في العقيدة هو أنه لا ينبغي للناس أن يكونوا جبناء أو عاجزين. بل إن هدف الساتياغراها التي قادها غاندي في مرحلة إقامته بجنوب إفريقيا هو "بث روح الرجولة في الجبناء". رسالة غاندي، ورسالة فنكلستاين أيضا كما تعكسها مواقفه إلى جانب المقاومة الفلسطينية وقضايا إنسانية عادلة أخرى هي أن "الجبن أسوأ من العنف". ومن يفضلون الأمن على الحرية لا حق لهم في العيش. بكلمات أوضح، لا يتردد غاندي في الاختيار: "لا يسعني إلا أن أفضل العنف على الجبن".

وربطا لفكر غاندي في التنظير للمقاومة السلمية بمشروع المقاومة في فلسطين الذي يشكل محور اهتمام الكاتب، يذكر الباحث الذي فقد كرسيه الجامعي بسبب مواقفه المساندة للفلسطينيين برفض غاندي للعقيدة الصهيونية ذلك أنه لم يقبل أن لليهود حقا إنجيليا في فلسطين. وبدلا من ذلك نصحهم بالحصول على حقوقهم في البلدان التي يقيمون بها. بل يضيف غاندي أنه "إذا قرر اليهود الذهاب إلى فلسطين فينبغي أن يكون ذلك بموافقة السكان الأصليين وإلا فإنهم يتقاسمون مع البريطانيين نهب شعب لم يسئ إليهم أبدا".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.