شعار قسم مدونات

مساعدات إنسانية أم دراما للسمعة.. عن زيف المساعدات الإنسانية!

blogs المساعدات الإنسانية بالصومال

سمعتُ عن الحُكومات العَالميَّة التي تدَّعي الدعم والمبادراتَ الإنسانية في الصُّومال، وعِند التنقيبِ والبَحث عنها وجدتُّ الكاميرات اللَّعينة تتدفَّق على النَّكبات أكثرَ من مُساعداتهم، وأمَّا نفعهم قد يكون حاصلاً غير أنه لا يُروي ولا يُشبع ولا يَشفي، استغلُّوا الأزمات والمسغبات كما لو كانتا فرصة للسُّمعة والمنّ والأذى. فإن الإعلام اللَّامع لم يصنعُ على الصوماليَّين مجداً، وكثيرٌ من الصور المطليَّة بالذَّهب سرعان ما انكشف زيفُها ولمعانها المُوهم، وأصبحت لا تخدع أحداً سِوى أهلها الذين سيصيبهم الغرور بالمجد الذي قاموا بحشوه على أبصارهم وسمعهم، وهم الذين صنعوا الوهمَ فعاد الوهمُ عليهم مرضاً، وصدق القائل (كذبوا الكذبة وصدقوها) بضاعتهم رُدَّت إليهم.

ومن يُريد أن يكسب ولاء هذا الشعب الذي اكتسب الحرية بفعله – بعد معونة الله – عليه أن ينزل إلى سوقه ودَكَّته ليعطيه ما يستحق التمجيد والإشادة، وإلا دعه مالك وله فإنه لا يجامل لقول قائلٍ ولا يَقبلُ دسيسة مُندسّ، على خلاف عادة السواد الأعظم من الجماهير العربية المغلوب على أمرها، وإن كنتَ – يا مُستمجد – صاحب حسن سيرة وسلوك؛ ينبغي أن يَشهد لك الشَّعب الصُّومالي بأنك كذلك، ثم يقوم هو بالشفاعة لك عند الحكومة.

أقول قولي لمن يُحاول تحريف وتضليل الحكومة الصُّوماليَّة عن الجادَّة التي تنتهجها نحو الإصلاح، وهي لا تزال صامدة ومتمنِّعة أمام سيل الإغراءات والرشاوى المتدفقة من كل جانب، لأنها تستحضر تضحية الصوماليّين لثلاثة عقود، كلَّفتهم القتلَ والجوعَ والشَّتات؛ ليكتسبوا حُكومة ديمقراطيَّة مأمورة، تحت إدارة رئيس منتخب بالاختيار، وعليه أن يعمل من أجل إرضاءِ الشَّعب وإلا فهو مُهدد بالرحيل.

علينا أن ننشر الوعي في كشف آفة تلك الكاميرات المتدفقة ونخاطب حامليها باستبدال قيمتها بالغذاء الدواء والمسكن وعلينا أن نخاطب الجهات بالأهداف النبيلة وليست المادية

ومن يُريد تقييم حجمِ المساعدات المصورة ينبغي أن يُشاهد ذلك في أرض الواقع الذي يفرض نفسه، ويُصدق الصور أو يكذِّبها أو يعطيها الحجم الحقيقي دون تهويلٍ أو إجحافٍ، إن المساعدات أُريدَ بها التغيير بنفعِ الناس المُحتاجين، وليست مقصودةً بذاتها حتى تسحر الأعين بأنك ساعدت وكفى، بل هي عمل وتحقيقٌ لهدف الإغاثة وتَجاوُز النكبة، ويُشترط فيها شروط العمل الجاد كالإتقان والمثابرة والتضحية.. الخ. وكثير من الذين يتقدمون للميدان الإغاثي لا يُعجبهم التقييم على أرضِ الواقع، ويتوارَون عن الأنظار إذا ذهبتَ إليهم في مقرِّهم الإداري الذي يُعبر عن مكتب سياحي أكثرَ من كونه إغاثي، ويُحاولون جاهدين ألا تستنطقهم بالسؤال عن الميدان، وإنما يدسُّون لك الصور المصنوعة في معامل "الفوتوشوب".

للأسف كانت الإغاثة نخوة إنسانية واحتساب الثواب من عند الله، غَير أنها أصبحت "دراما" للسمعة والرياء والمباهاة على حسابِ المنكوبين، على حساب الظُّروف القاهرة والنوازلِ المهولة، فيتمُّ ابتزاز العطشان بشربة ماء وابتزازُ الجائع بلقمة عيشٍ وابتزاز الخائف بنومة في كوخٍ. إنَّ ما يحصل في المبادرات المزعُومة يعبِّر عن انتكاسة للأخلاق الإنسانية، حيث يقُوم القائمون عليها في الميدان كما لو كانوا في نزهةٍ، بل هي نزهة يتنزَّهون بها ويروون للعالم متعة الرقص حَول المنكوب.

وليس ما ذُكر أعلاه حصراً على المنظمات الحكومية لتحقيق أهداف سياسيَّة، بل يعمُ كل المنظمات الأهليَّة منها والحكوميَّة، وقد وَجد البعض متعة تأسيس جمعية يطلبُ من الناس دعمها، فيقوم بالصَّرف على نفسه وعلى كيانه ثلاثة أرباع ما ينفقه على المحتاج، لا أتحدَّث عن اختلاس أموال الفقراء لأن الاختلاس سلوكٌ عارضٌ ومستنكر عند الكافَّة، وإنما أتحدث عن شركات مُعلنة وجدت الفرصة في اقتحام ميدان المساعدات.

ولا نذمُّ لأنها اختارت ذلك بحسن نية وإنما لأنها تنطوي على تضليل الأعين، وتُشرعِن انتكاسة ثقافة النخوة والتضحية في سبيل الإنسانية، وتعزز المادية في الجانب الأعمق إلا وهو استغلال المنكوب كمصدر دخل وتحقيق الأرباح، كما أننا نذمها لكونها تصد الأبواب على الخيَّرين أصحاب الضمير الحيّ الذين قرروا أن يوفروا بعضاً من احتياجاتهم لمن هم أكثر حاجة، أو قرروا أن يؤثروا حاجات غيرهم على حاجات أنفسهم، لسبب أن الجهات الزائفة تتعامل بأساليبِ التنافس التجاري وتُزعج غيرَها بالمضايقات والاحتكار.

علينا أن ننشر الوعي في كشف آفة تلك الكاميرات المتدفقة ونخاطب حامليها باستبدال قيمتها بالغذاء الدواء والمسكن وعلينا أن نخاطب الجهات بالأهداف النبيلة وليست المادية. ثم اعلموا أني لا أنكر وجود الكاميرات مطلقاً، لكنني استنكر مزاحمتها للأهداف النبيلة في ميادين النكبة، لظني أنها قد تكون وسيلة لحثّ الناس على التضامن مع المنكوب والسَّلام.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.