شعار قسم مدونات

الكتابة على الجدران.. من فن إلى تشويه للعمران!

blogs الجرافيتي

من أهم المظاهر الدخيلة التي ظهرت في الآونة الأخيرة في المجتمعات العربية، ظاهرة الكتابة والرسم على الجدران، في سلوك يراه أغلب المنتقدين أنه صادر من شخص غير عاقل، ما أثار استهجان وانتقاد الكثيرين خاصة مع تزايد انتشارها يوما بعد يوم، فلم يسلم منها مرفق عام ولا خاص. أن تكون فنانا ما عليك سوى أن تقتني بخاخا بثمن بخس وتعبر عن مكنونك على الجدران على سطح عام أو خاص دون الحصول على إذن من مالك السطح من الممكن أن يعتبر نوع من التخريب والذي يعاقب عليه القانون في معظم دول العالم، هكذا يعتقد البعض ممن يدعو لتقبل هذا الفعل كأنه نوع من أنواع الفن.

في سلوك غير حضاري مشوه للمنظر يرفضه الكثيرون، تنتشر هنا وهناك رسومات وتعابير مختلفة الشكل والمعنى منها ما هو أخلاقي ومنها ما تجاوز حدود الأخلاق، كتابات صادرة من أشخاص يعيشون فراغ نفسي يعبرون بها عن مكنونهم الداخلي، يشكون همومهم للجدران، ويبدو جليا أنها تكتب في أوقات متأخرة من الليل وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أصحابها عاجزون وخائفون من مواجهة الواقع في النهار. أصبحت جدران المرافق العامة والخاصة جريدة حرة، من هب ودب يدون عليها وينشر فلا رقيب ولا حسيب، كل يغني على ليلاه، تعبير عن الحب والولاء، تعصب لفريق كروي أو تأييد لتوجه سياسي وغيرها، كل هذه التصرفات الطائشة راح ضحيتها وجه العمران.

هذه الكتابات والرسومات ما هي الا مرآة لما يخالج نفس كاتبها فمنهم من يبعث برسائل حب وغزل وآخرون بأشعار شوق وحنين، متأثرين بأبيات نزار قباني حين غناها كاظم الساهر قائلا:

علّمني حُبّك أن أتصرف كالصبيان 
أن أرسم وجهك بالطبشور على الجدران

ما علينا سوى توعية الشباب بدورهم الحقيقي في المجتمع وإرشادهم إلى سبيل التعبير عن مشاعرهم العاطفية، الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية بالطرق الحضارية دون المساس بالمرافق الخاصة والعامة

وليتهم اقتدوا به حُسنا وعبّروا بالطبشور لكان الأمر حينها هيناً. وليست العاطفة فقط من أخذت حصتها من هذه الظاهرة فقط، بل كان للسياسة أيضا نصيبها، فما إن اقترب موعد الانتخابات بشتى أنواعها إلا وامتلأت الجدران والواجهات بفوضى اللافتات والعبارات الموالية لكل توجه وطرف.

انتشرت هذه الظاهرة في الوسط العربي كنوع من التقليد الأعمى لدُول الغرب كما يطلقون عليه هناك فن "الجرافيتي Graffiti"، بحيث نجد في الدول الغربية بعض الجمعيات والنوادي يؤيدون هذه الظاهرة ويُعلّمُونها شبابهم، كونها تخدم مصالحهم في التعبير والتشهير لمختلف قضاياهم الاجتماعية والسياسية، هذا ومع تضارب الرأي العام الغربي تُجاه هذا الفن رغم تبنيه من طرف مؤسسات وجمعيات عديدة، فقد صُدّر إلينا كغيره من الظواهر لكنّ ما وصلنا هو غيرُ صورته هناك، فما نراه اليوم في الشوارع ومحطات القطار وجدران المؤسسات العمومية والخاصة ما هي الا "خربشات صبيان" لا تسمن ولا تغني من جوع بل وعلى العكس تشوه العمران وتثير غيض السكان، في صورة تبرز أن ما تم استيراده من الغرب ليس إلا الاسم فقط.

لقد سبق وذكرنا أن هذه الظاهرة دخيلة على مجتمعنا، لكنه كان لنا منها دور بسيطة ربما ساعد في انتشارها والدليل على هذا ما نجده في مدارسنا اليوم، فلا تخلو طاولة مدرسة أو جدار قسم من تعابير ورسومات ولو بضع صور وكلمات. ما يحز في النفس وما يثير الأسى أنه حتى بعض جدران بيوت الله لم تسلم من هذه التصرفات الساذجة، فما سيكون جوابهم حين يسألهم رب البيت ومالكه؟ وهو القائل سبحانه: "يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (24) (سورة النور).

وفي الأخير ما علينا سوى توعية الشباب بدورهم الحقيقي في المجتمع وإرشادهم إلى سبيل التعبير عن مشاعرهم العاطفية، الاجتماعية، الاقتصادية والسياسية بالطرق الحضارية دون المساس بالمرافق الخاصة والعامة، وهذه المسؤولية المهمة تقع على عاتق الوالدين والمعلمين ورجال الدين.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.