شعار قسم مدونات

حرب الدولار.. لماذا أشهر ترامب أسلحته الاقتصادية تجاه كندا؟

blogs ترمب و ترودو

حطت طائرة وزيرة خارجية كندا كريستيا فريلاند بالأمس في واشنطن وكانت الوزيرة ترتدي قميصا قطنيا تي شيرت كتب عليه ابق هادئا ولنتفاوض حول النافتا. نافتا أو اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية تم إبرامها عام 1994 بين بلدان أمريكا الشمالية الثلاث: كندا، الولايات المتحدة والمكسيك. هذه الاتفاقية تعرضت لهجوم لاذع من قبل المرشح الأمريكي للرئاسة دونالد جاي ترمب إذ وصفها بأنها أسوأ اتفاق تجاري أبرمته أمريكا، ووعد أن يلغيه حال وصوله للرئاسة، وقد كان.

بدأت المفاوضات أول الأمر ثلاثية كما كانت من قبل، إلا أنه مع حلول أواخر شهر يوليو 2018، تم استبعاد كندا من المحادثات وقتيا، ليتوج الأمر بإمضاء أمريكا والمكسيك لاتفاق تجاري ثنائي دون مشاركة كندا. كان هذا الأمر مفاجئا وبمثابة صفعة في وجه الكنديين. منذ توقيع هذا الاتفاق الثنائي أواخر أغسطس 2018، جرت جولات تفاوض بين الجانبين الأمريكي والكندي، آخرها يجري هذه الأيام وتشارك فيها وزيرة خارجية كندا، وذلك رغم أن جريدة التورونتو ستار حصلت على نص محادثة غير رسمية بين ترمب وصحفي من جريدة بلومبرغ قال فيها الرئيس الامريكي أنه ليس لديه نية التفاوض وأنه سيحصل على ما يطلبه أو سيتم إخراج الكنديين من المعاهدة.

 

وأنه يكفي أن يلوح الأمريكيون بصورة شيفروليه أمبالا ليجثو الكنديين على ركبهم يستعطفون، لكنه لا يستطيع التصريح علنا بهذا لأن ذلك سيمثل إهانة كبرى للكنديين. ذلك أن ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية عالية على منتجات السيارات الكندية، التي تساهم بما قدره 20 مليار دولار في الاقتصاد الكندي، ما يمثل 16 في المائة من الناتج القومي الخام، ويوفر 130 ألف فرصة عمل خاصة في مقاطعة أونتاريو. تهديد أمريكا بخنق هذا القطاع حكم بالموت على الاقتصاد الكندي ببساطة.

دفع الكنديون أثمانا باهظة لعربدة ترمب في العامين الأخيرين، وأكبر مثال على ذلك قصة طائرات شركة بومباردييه من طراز السي سيريز

عقبتان كبيرتان تعترضان طريق إتمام المعاهدة الجديدة بين الجارين، أولها حماية كندا لمنتجي الالبان ومشتقاتها، وثانيها التحاكم لجهة مقاضاة مستقلة. يريد الأمريكيون لمنتجاتهم من الألبان ومشتقاتها أن تباع بدون فرض رسوم جمركية مرتفعة في السوق الكندي كما هو الحال في المعاهدة المنتهية. الكنديّون في الجانب المقابل يخافون أن يتم إغراق سوقهم بألبان أمريكيّة أرخص، ولكن أقلّ جودة من نظيرتها الكندية، ممّا سيحكم بالموت على آلاف المزارعين في كندا. أما الكنديون، فيريدون الإبقاء على آلية تحاكم دولية لفضّ أي نزاع يطرأ في ظلّ هذه المعاهدة كما هو الحال في النافتا القديمة، أما ترمب بعنجهيّته المعروفة فيرى أن يتحاكم الطرفان للمحاكم الأمريكية لفض النزاعات التجارية، فيكون الخصم هو الحكم.

دفع الكنديون أثمانا باهظة لعربدة ترمب في العامين الأخيرين، وأكبر مثال على ذلك قصة طائرات شركة بومباردييه من طراز السي سيريز. في أواخر شهر سبتمبر من العام المنصرم، قضت محكمة أمريكية في دعوى أقامتها شركة بوينغ الأمريكية بإيعاز من إدارة ترمب، بتطبيق تعريفة جمركية على مبيعات طراز السي سيريز الجديدة تبلغ 220 في المائة من قيمة الطائرة الواحدة، وذلك في مسعى لإحباط صفقة بين المصنع الكندي بومباردييه وشركة خطوط دلتا الأمريكية لشراء 125 طائرة.

 

رغم أن هذا الطراز لا ينافس أي طراز آخر لبوينغ، ذلك أن سعته تبلغ 100 إلى 110 مقعدا، وكان آخر طراز تصنعه بوينغ بمثل هذه السعة (بوينغ 717) قد تم الغاء تصنيعه منذ العام 2007، إلاّ أن المصنّع الأمريكي تقدّم بالدعوى مشتكيا من دعم غير قانوني لحكومات كندا ومقاطعة كيبيك للمصنّع الكندي من أجل إنتاج هذا الطراز، مما ساعد في تخفيض سعره وجعله منافسا جديا في سوق الطائرات متوسطة المدى، التي لا تنافس بوينغ فيه أصلا.

حروب ترمب الاقتصادية لن تتوقف، ويبدو هذا الرئيس غير مكترث لأي اعتبارات كالجيرة والتقارب الثقافي والتاريخي والاقتصادي بين بلده وأقرب حلفاءه مثل كندا
حروب ترمب الاقتصادية لن تتوقف، ويبدو هذا الرئيس غير مكترث لأي اعتبارات كالجيرة والتقارب الثقافي والتاريخي والاقتصادي بين بلده وأقرب حلفاءه مثل كندا
 

أمام إفشال هذه الصفقة، وتعثّر صفقات أخرى، لم يجد المصنّع الكندي بومباردييه إلا خيار منح طراز السي سيريز المتقدم تكنولوجيًّا، والذي يمثل ثمرة بحوث وتطوير مضنية، إلى منافس بوينغ القوي إيرباص مجانا. سيضمن هذا الاتفاق الحياة لهذا الطراز، وسيضمن أيضا آلاف مواطن الشغل في مقاطعة كيبيك، التي كانت ستضمحل جراء حكم المحكمة الأمريكي بتطبيق هذه التعريفة الجمركية المجحفة، لكنه مثل خسارة مئات الملايين من الدولارات للاقتصاد الكندي.

حروب ترمب الاقتصادية لن تتوقف، ويبدو هذا الرئيس غير مكترث لأي اعتبارات كالجيرة والتقارب الثقافي والتاريخي والاقتصادي بين بلده وأقرب حلفاءه مثل كندا. بل أن العديد من المحللين السياسيين ذهبوا إلى حد اعتبار هجمة السعودية الشرسة على كندا نتيجة لضوء أخضر أمريكي لإشغال كندا في صراع خارجي دبلوماسي وإهانتها، للضغط عليها أكثر فأكثر لتقبل بشروط أمريكا في النافتا الجديدة.

على من يتَّكلون على ترمب من المتحكّمين في رقاب الشعوب في وطننا الإسلامي انتظار مصير أسود لهذا الاتكال، فقد قدّموا القرابين تلو القرابين لصنمهم ترمب، من حصار قطر، لمليارات الدولارات، وسجن للعلماء والدعاة، لكن ذلك المجنون لا يقيم لهم وزنا، إذ أنه لو كان مقيما وزنا لأحد، لإقامة لدول يتشاطر معها التاريخ والجغرافيا فضلا عن المعتقدات والثقافة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.