شعار قسم مدونات

الصراع مع الفيلة.. هل يستطيع أردوغان ترويض التهديدات الخارجية؟

blogs قمة سوتشي

يحكى أنّ مربي الفيلة عندما يصطادون فيلاً برياً لترويضه يستعملون حيلة للتمكن من الفيل الضخم صعب المراس، فيحفرون في طريق مسيره حفرة عميقة بحجم الفيل ويغطونها، حتى إذا وقع فيها ما استطاع إلى الخروج سبيلاً، ثم ينقسم الصيادون إلى قسمين: قسم بلباس أحمر، وآخر بلون أزرق -وذلك كي يميز الفيل بين اللونين. فيأتي الصيادون الحمر فيضربون الفيل بالعصي ويعذبونه فيغضب ويثور لكنه لا يستطيع تخليص نفسه، ثم يأتي الصيادون الزرق فيطردون الحمر ويربّتون ويمسحون على الفيل ويطعمونه ويسقونه ولكن لا يخرجونه، ثم يذهبون. وتتكرر العملية وفي كل مرة يزيد الصياد الشريك الشرير الأحمر من مدة الضرب والعذاب ويأتي الصياد الشريك الأزرق (الطيب) ليطرد الشرير ويطعم الفيل ثم يمضي.

 

ولغريزته الفطرية يشعر الفيل بمودة كبيرة تجاه الصياد الشريك (الطيب)، وينتظره كل يوم ليخلصه من الصياد الشريك (الشرير). وبعد فترة يقوم الصياد الشريك (الطيب) بمساعدة الفيل الضخم، ويخرجه من الحفرة، فيمضي الفيل بكامل الخضوع والإذعان والود مع هذا الصياد الشريك الأزرق الطيب دون أن يخطر في باله أنّ هذا (الطيب) بما أنه يستطيع إخراجه، فلماذا تركه كل هذا الوقت يتعرض لذلك التعذيب؟! ولماذا لم ينقذه من أول يوم ويخرجه من محنته؟ ولماذا كان يكتفي بطرد الأشرار وحسب؟ كل هذه الأسئلة غابت عن بال الفيل الضخم لكثرة ما عاناه من مرارة الأسر والتعذيب وكذلك لشدة فرحه بخلاصه من ضيق الحفرة.

هكذا يتم ترويض الشعوب ثم يشكرون من يروضهم وهم أصلاً سبب ما هم فيه من ألم وبلاء وما أكثر الصيادين هذه الأيام! ويعد الشعب التركي مثالاً بارزاً من واقعنا الحالي، ممثلاً برغبة حكومات حزب العدالة والتنمية المتعاقبة -ومن قبلها حكومات الحركة الإسلامية- في التحرر ولو جزئياً من القيود المفروضة على تركيا من قبل الدول الكبرى، سواءً تلك القيود التي قررتها الاتفاقيات التي ورثتها تركيا بعد هزيمة الخلافة العثمانية في الحرب العالمية الأولى أو حتى القيود المقررة من قِبَلِ النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث فرض المنتصرون نظاماً يتحكم فيه مجلس أمن دولي يحق فيه -فعلياً- لخمس دول فقط أن تقرر مصير البشرية جمعاء، فتتقاسم النفوذ وترسم الحدود، وتحتل إن شاءت دولاً كما حصل في أفغانستان بل وتطرد شعوباً وتقيم كيانات كما حصل في فلسطين. أما منظمة الأمم المتحدة فلا تعدو كونها واجهة تجميلية وظيفتها استبدال أوطان المهجرين بخيام تشرد هزيلة تعكس واقع المنظمة.

تصريحات أردوغان النارية وتحديده لخطوط حمراء -وهمية- واستقبال حكومته للاجئين لا يلغي حقيقة أنه انصاع للإرادة الدولية بعدم تسليح أهل الشام بمضادات للطيران وتمكينهم من الدفاع عن أعراضهم

وبنظرة سريعة في كتب التاريخ نجد أنّ الجمهورية التركية الوليدة لم تلبث طويلاً حتى دخلت في صراع مع حزب العمال الكردستاني ذي الخلفية الشيوعية -والذي ترفض روسيا حتى اليوم تصنيفه كمنظمة إرهابية- مما دفع تركيا إلى الارتماء في أحضان أمريكا التي كبّلَت الدولة التركية واقتصادها باتفاقيات أدت إلى التبعية شبه الكاملة لأمريكا لاسيما في المجال العسكري. وقد ترافقت هذه التبعية مع سياسات هدفت لسلخ الشعب من هويته وتغيير نمط حياته بما يضمن استمرار السيطرة وانعدام فرص الاستقلال الفعلي أو حتى الرغبة فيه.

 

فنظام الخلافة الإسلامي أصبح نظاماً عَلمانياً متعصباً، واقتصاد الدولة صار رأسمالياً وحتى حروف اللغة صارت لاتينية بعد أن كانت تكتب بحروف عربية كسائر لغات الشعوب الإسلامية. ومن ثمّ تُوّجَت هذه الجهود بالسيطرة على مفاصل المؤسسة العسكرية وتحويلها لكلب حراسة لمصالح أسياده لقاء مساعدات سنوية لا تسد الحاجة الفعلية -في خطوة تهدف هي الأخرى لضمان الولاء واستمرار السيطرة-، فكانت كل خطوة -ولو رمزية- على طريق الانعتاق تقابل بانقلاب عسكري لا يخلو من إراقة للدماء وتقييد للحريات، ويعد الانقلاب على الشهيد عدنان مندريس وإعدامه مع طائفة من وزرائه أحد أبرز محطات ترسيخ هذه التبعية.

إلا أنّ فَشَلَ الانقلاب الأخير والدعم الأمريكي لحزب العمال الكردستاني (BKK) وفرعه السوري (PYD) بالإضافة إلى بوادر التضييق والحصار الذي بدأ بمنع تركيا من امتلاك أنظمة دفاع جوي متطورة وانتهى بعقوبات وحرب اقتصادية استهدفت الليرة التركية دفعت الحكومة الحالية إلى الارتماء في أحضان الروس -أعداء الأمس- ولو على الصعيد السياسي والعسكري فقط، أما في المجال الاقتصادي فالاقتصاد الروسي ذاته يعاني ويقف عاجزاً أمام العقوبات الغربية مما دفع الأتراك للقبول اقتصادياً بالحضن الأوروبي ممثلاً بألمانيا وفرنسا اللتين كانتا بالأمس القريب من ألدّ الخصام بعد إقرارهما لقوانين تتهم الأتراك بارتكاب مجازر ضد الأرمن خلال فترة الحرب العالمية الأولى. وهكذا يستمر مسلسل الترويض مع تبادل للأدوار رغم ما يظهر للمتابع من عناد النخبة الحاكمة ووعي الشعب ومحاولة الموازنة بين الرغبة في الخروج من نفق المعاناة والإصرار على عدم القبول بأنصاف الحلول.

 

على الرغم من امتلاك تركيا ثاني أقوى جيش في حلف الناتو إلا أنها لم تتدخل لمنع تكرار مجزرة حماة المروعة -كما وعد أردوغان-، واقتصر التدخل التركي حين شعرت تركيا بخذلان أمريكا لها
على الرغم من امتلاك تركيا ثاني أقوى جيش في حلف الناتو إلا أنها لم تتدخل لمنع تكرار مجزرة حماة المروعة -كما وعد أردوغان-، واقتصر التدخل التركي حين شعرت تركيا بخذلان أمريكا لها

إلا أن نضال حكومات العدالة والتنمية في تركيا -كضحية للترويض- لا يلغي حقيقة أنها تلعب دور الشريك الطيب في الحالة السورية. فتصريحات أردوغان النارية وتحديده لخطوط حمراء -وهمية- واستقبال حكومته للاجئين لا يلغي حقيقة أنه انصاع للإرادة الدولية بعدم تسليح أهل الشام بمضادات للطيران وتمكينهم من الدفاع عن أعراضهم واكتفى بمداواة جرحاهم، في موقف يُذكّر بموقف أحد القادة العرب إبان النكبة الفلسطينية إذ قال: "فليقاوم الفلسطينيون الاحتلال ونحن على استعداد لتقديم العلاج لجرحاهم، فإن زاد الاحتلال في إجرامه فسنبني المزيد من المشافي".

وعلى الرغم من امتلاك تركيا ثاني أقوى جيش في حلف الناتو إلا أنها لم تتدخل لمنع تكرار مجزرة حماة المروعة -كما وعد أردوغان-، واقتصر التدخل التركي حين شعرت تركيا بخذلان أمريكا لها وتهديدها للأمن القومي التركي عن طريق دعم إقامة كيان انفصالي على حدودها الجنوبية. ومن المفارقات أن تركيا -حليفة الثورة المفترضة- باعت مدينة حلب للروس -الشريك الشرير هنا- مقابل سماح الروس لها بإقامة منطقة عازلة مصغرة تحفظ بها أمنها ومصالحها، ضاربة عرض الحائط جميع التصريحات السابقة واللاحقة عن جرائم الروس بحق حلفائها الثوار.

 

إلا أنّ هذه الاتفاقية مثّلت أول الغيث، حيث أعقبها اتفاقية باعت بموجبها تركيا أجزاء واسعة من جنوب وشرق إدلب بما فيها أكبر مطار عسكري للحوامات في سوريا واستلمت بالمقابل ضمانات بتسهيل سيطرتها على منطقة عفرين أحد أهم معاقل حزب العمال الكردستاني حليف أمريكا الحالي. ولربما تكون اتفاقية سوتشي الأخيرة بين أردوغان وبوتين آخر فصول الترويض الذي طال ثماني سنوات جهدت فيه الدول -شرقيها وغربيها- بوضع العصي في عجلات الثورة السورية حفاظاً على مصالح قومية تارة ورفضاً لتحرر الشعوب تارة أخرى. لكن ولأمانة نقل الواقع فإن اللمسات الأخيرة لاتفاق سوتشي لم تكتمل حتى الآن، ولم يسدل بعد الستار على إحدى أعظم الثورات في التاريخ الحديث، فما زال في الثورة بقية روح ولم تفتأ أصابع المرابطين ضاغطة على الزناد، وإنّ من أحيا الثورة أول مرة لقادر على نفخ الروح فيها من جديد، ولكأنّي بالمارد يخرج من قمقمه أشدّ عوداً وأقوى عزيمة على تحقيق شعار الثورة الأصيل "لن نركع إلا لله".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.