شعار قسم مدونات

هَواجِس مُعلّمة.. كيف تكون "معلِّماً إنساناً"؟

blogs التعليم

كأي شخص على هذه الأرض، حيث ينبض قلبه بالأمل والحلم والعمل، تعبتُ وسهرتُ وبحثتُ عن فرصةٍ أكون بها إنساناً مفعماً بالحياة، متجدداً ومعطاءً وذي أثرٍ وكيان، أن أكون كائناً حياً وليس رقماً أصم. حتى جاءت تلك اللحظة التي انتظرتها كي أكون معلمة، طالما لم يكن متاحاً أمامي خيارٌ سواها، فكانت أملي. بالطبع فرحت واطمأننت وشعرتُ أنّ الأيام بدأت تكافئني على مثابرتي واجتهادي، ولكنني لم أستطع أن أتجاهل شعور الأسر الذي انتابني حين جلستُ أفكر وأتأمل مجريات الدوام المدرسي، حيث أحسستُ بقيد بوابة المدرسة وأسوارها، وبمحاصرة جدران الغرفة الصفية لي ما بين دفتي كتاب ودفتر وقلم وسبورة.

أشرقت شمس اليوم الأول من العمل وذهبتُ إلى المدرسة، وقلبي يخفقُ وجلاً كحال طالبٍ في أول يوم له في المدرسة ترك لتوه حضن أمّه، وبنفس الوقت كنتُ شغوفةً لرؤية تفاصيلها، واكتشاف ما سيسند لي من مهام، وما يفوق ذلك كله هو طاقتي وحماستي لأثبت لنفسي أولاً أنني ما زلتُ على قيد العطاء. وبعد الساعة الأولى من دخولي المدرسة انكشفت الغمامة عن عيني وبدأت الأمور تتراءى لي بوضوح، حيث سأكون مربيةً للصف الأول من الذكور مع علمي مسبقاً أن مدة بقائي هنا ليست أكثر من أربعين يوماً.

وبعد فعاليات طابور الصباح، دخلتُ مع طلابي الغرفة الصفية حيث بادرتُهم بابتسامة عريضة وبنبرة صوتٍ منغّمة: "صباح الخير يا حلوين". "صباح النور معلمتي" أجاب الطلاب بنبرة استفهام كان من ورائها "أنتِ معلمتنا الجديدة!" وبنفس الوقت وصلني منها شعورٌ خجول بأنني تلك المعلمة التي يريدون. سارت الحصة بدون تخطيط فلم تكن حصة دراسية بل كانت جلسة تعارف واستماع، حيث بدأت رواية كل منهم لما يجول في خاطره من أمنيات وأحلام وقصص، استمعت لهم جميعاً، ولكن تاهت مني بعض كلماتهم؛ كنت شاردةً بملامح وجوههم البريئة وبابتساماتهم وضحكاتهم العفوية.

التعليم رسالة تبدأ من إيمان المعلم بقيمته وأهميته، إذ أنّ إيمانه برسالته وقناعته الصلبة بها تجعله معلِّماً ناجحاً، وفرحاً، ومندفعاً، وأولها وأولاها "معلِّماً إنساناً"

هكذا مرت أيام قليلة وبدأت الصورة القاسية التي رسمتها في مخيلتي كوني معلمة تتبدد وتتلاشى، ففي كل يوم يزداد شوقي للذهاب للمدرسة؛ أتأمل الشمس تشرق على جدرانها وأعداد الطلاب تتزاحم شيئاً فشيئاً في ساحتها. شعرتُ بالتجدد والحياة مع كل نظرة يرمقني بها طلابي، مع لمسة أناملهم الضعيفة حين أساعدهم على الكتابة، ومع تلعثم ألسنتهم في نطق بعض الحروف، حيث كنت أُخفي ابتسامتي حينها كي لا تفقد الحصّة هيبتها، كما أخفيتُ عنهم حقيقة أن بقائي معهم ليس بالمدة الطويلة، وأنه سيأتي يوم أغادر به المدرسة وأتركهم. كنتُ مقتنعة وحجتي بذلك هو أني لم أكن أريد أن ألجم مشاعرهم نحوي، ولكي أنبُث بداخلهم شعورهم ببقائي بجانبهم وانتظارهم لحظة عودتي إليهم وليس يوم مغادرتي لهم.

ذلك اليوم الذي بات أقرب وأقرب، وباتت مشاعره السلبية تغلبني كثيراً، إذ يعزّ عليّ ذلك؛ وقد أصبحتُ أعرف تفاصيلهم بدقة، أعرف لون كل منهم المفضل، وحيوانه المدلّل، ونوع السيّارة المحبّب، ومهنته بالمستقبل. خاصّة وصوتهم يضجّ برأسي لحظة سؤالهم المعهود لي في نهاية كل حصة: "بدك ترجعي عنا معلمتي؟". إلى ذلك اليوم وقبل أن أطوي بكل راحة ورضا صفحة من أيام عُمري، تستحق أن تكون تجربة جميلة وقد نلتُ على إثرها ما قُدّر لي من مكافئة الذات وتقديس التعليم.

 

نعم التعليم، ولا أُريد أن أُحجم وصفه بمهنة ولكيلا أصبغه ببعض القواعد والضوابط والشروط؛ بل هو رسالة إنسانية، وسيل عطاء متدفق. رسالة تبدأ من إيمان المعلم بقيمته وأهميته، إذ أنّ إيمانه برسالته وقناعته الصلبة بها تجعله معلِّماً ناجحاً، وفرحاً، ومندفعاً، وأولها وأولاها "معلِّماً إنساناً"؛ يُهدي نفسه لطلابه بما يحمله من مثُل وقيم وحب واحترام وصداقة وودّ ورأفة، يعطيهم من قلبه قبل الكتاب، يبني كيانهم، ويُربّت بعطف على أكفّهم وأكتافهم، ويلمس قلوبهم بكلمات شفافة تزرع في أعماقهم أثراً طيباً وتروي نفوسهم بالأمل والطاقة وتكسبهم قوة لمجابهة أيامٍ جافة وتمنحهم العزيمة للتقدم لصنع أحلامهم وأمانيهم. حيث أستحضر القول وكلي إيمان به وهو "قد ينسى الطلاب ماذا قلت لهم، لكنهم لن ينسوا كيف جعلتهم يشعرون".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.