شعار قسم مدونات

لماذا لَم أَنتَحِر بَعد؟

blogs فتاة

أعيش في جزء من الكرة الأرضية ينعم بالأمن الظاهري، لا حروب، لا دماء -حتى هذه اللحظة-. لم أبلغ العقد الثالث من العمر بعد، فقدت أمي وأبي والكثير من حولي في سنوات ما قبل العشرين. خضت تجربة الزواج التي لم تنجح، أعيش في هذا المكان الآمن وحدي مع طفل لم يبلغ الرابعة بعد. أصطدم بالكثير من القصص والحكاوي لمن حولي، من يعرفني ومن لا يعرف عني سوى اسمي الثلاثي الذي أشاركه على هذه الفضاءات الافتراضية. ولكني أكاد -وأشدد على أكاد- أن أفقد صوابي من هذا التساؤل الذي لا يخجل طارحه من أي شيء: لماذا لم تنتحري بعد؟

أولاً، أعتذر لأنني ما زلتُ على قيد الحياة بعكس ما توقع المتسائل، ولكني ولله الحمد ما زلت أنعم مثلك، بكل عدل، بحق تنفس الأكسجين الذي لم ينضب من كوكب الأرض بعد، والذي يكفينا أنا وأنت ومن لم يقرر الانتحار.

ثانيًا، لا أجد -حقيقة- أي تفصيل في حياتي يستدعي الانتحار! رُبما هذه الفضاءات افترضت بُعدًا آخر من "الفضفضة"، وافترضت أيضًا أن أشدنا عُمقًا هم أكثرنا همّا وسوادًا وكُرهًا للحياة -الغير عادلة-. وفي كل مرة يُصارحني أحدهم برغبته في الانتحار، أُصاب بالتبلد. ما الذي يستدعي حقًا الانتحار؟ هل معنى الحياة يُختزل بالعيش دون صعوبات، فشل، حزن، حرمان، مرض، أو فقر؟ إن كانت هذه الحياة، فهي الجنة دون أن أدري! وآخر تحديث لما يُؤمن به عقلي هو أننا لا نعيش في الجنة.

 

بالإضافة إلى أن الانتحار لن ينقلني للجنة أيضًا. ما زلتُ أذكر أول من صارحني برغبته بالانتحار، لقد أصابني الرُعب، وحاولتُ جاهدة أن أُثَمّن مفهوم الحياة في عين الراغب بالموت. أحسستُ بأنها حياتي، غالية في عيني رخيصة في نظره! كل ما استدعى الموت حينها "البطالة"! نعم. وآخرها كانت بسبب حب لم يكتمل. نعم!

يميلُ بعض المُشتغلين في حقل الإنسانيات وخاصة (علم الطبائع) إلى تقرير حقيقة مفادها أن من مُهمات الإنسان نحوه "إزعاجُ نفسه"، ويُسمون هذا بممارسة (القلق الحلو) الذي يتكثف فيكون (قلقًا دالًا)

يقول أوشو في كتابه (أهل الطريق): "لم يصبح الإنسان إنسانًا بعد. هُناك إمكانية أن يتحول، ولكنه لم يصبح إنسانًا بعد" ذلك أن من لم يتعرف على ذاته ويتجاوزها مرة تلو المرة، ومن لم يعش الحياة ليدركها ويكتشف معناه، فقد أصبح مجرد شيء، أو كوصف أدق: آلة. ويختار الإنسان تأليل نفسه إن اختار أن ينسى نفسه. أو كما قال عالم النفس كارل يونغ: "من يتأمل خارجه يحلم.. ومن يتأمل داخله، يستيقظ" وعلى هذا؛ فكل منتحر حالم لم يستيقظ بعد!

هذه هي الحياة، مليئة بالتعب، ما الجديد بهذا؟ ألم يُصارحك والدك بسنوات طفولته التي لم تكن مُرفهة آنذاك؟ فقد صارحني والدي بهذا وقال بأنه كان يدرس تحت ضوء الشارع، وكان يعمل ويكد في سن العاشرة، بالإضافة لأيام "الحصيد" التي كانت تشتكي منها جدتي! يقول المُفكر الراحل عبد الرحمن الكواكبي: "الخوف من التعب تعب، والإقدام على التعب راحة". ولكن: (وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا). وأقتبس هُنا من كتاب إنسان الإنسان، فيقول صاحبه: "يميلُ بعض المُشتغلين في حقل الإنسانيات وخاصة (علم الطبائع) إلى تقرير حقيقة مفادها أن من مُهمات الإنسان نحوه "إزعاجُ نفسه"، ويُسمون هذا بممارسة (القلق الحلو) الذي يتكثف فيكون (قلقًا دالًا)".

وأنا -أمانةً- لم أقُم بأي دراسة تحليلية لشخصيتي، أو لطبائعي، أو مدى سوء ما مررتُ به من تفاصيل كثيرة يتعجب سامعها من صُغر سني! ولكني حتمًا لم اُفكر يومًا بإزعاج نفسي وممارستي لقلقي الحلو. فالمعرفة تتعاظم بمدى تمييز ما يُوافقها من التجربة، وهذا الاقتران غاية في الأهمية. ما من تجربة تقترن بالمعرفة وتنتج الانتحار! ولو افترضنا هذه النتيجة فهذا يعني أن التجربة لم تقترن يومًا بأي معرفة، فالمعرفة تستلزم حضور الوعي اللازم لخوض أي تجربة.

في كتاب التفكر في سرعة العصر للفيلسوف الفرنسي بول فيريلو والذي يُلقب بفيلسوف السُرعة، طَرح فيه تساؤلًا: إلى أين نركض مُسرعين إلى هذا الحد؟. ودَعا فيه إلى: أما آن الأوان للتمهُل؟ حقيقة؛ أما آن الأوان للتمهل والتأني؟ العَجَلة تُنفر المرء من الإبطاء لمعنى. والحياة معنى يستحق التأني. ومن الطبيعي جدًا أن يَتعاطى المرء مع كل هذه الإشارات والعلامات التي ترفعه تارة وتُخفضة تارة أخرى. وأذكر بأني تابعت مُسلسلاً يُناقش قضية فتاة أقدمت على الانتحار وتركت من بعدها تسجيلات صوتية تشرح كل الأسباب التي دفعتها لمثل هذا القرار، والتي تمحورت جميعها حول "التَنمر" في أروقة المدارس. ولكني ومع كل تعاطفي وحُزني عليها، ومع متابعتي ليوميات كل من كانوا معها وكيف أن انتحارها كان حدثًا لم يلتفت له الكثير، كُنت أردد: لقد فاتها الكثير من الحياة!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.