شعار قسم مدونات

والطريق إلى الجحيم.. من جنة الفردوس أقرب!

مدونات ثورات الربيع العربي

عنوان التدوينة مقتطف من قصيدة لعبد الوهاب البياتي، أحد الشعراء الذين عايشوا فترة الخمسينات من القرن العشرين إذ تحررت الشعوب العربية حديثاً من الاستعمار المباشر، لتعاني من انقلابات عسكرية أورثتها حكومات عميلة واستعماراً غير مباشر، تمثلاً بحقبة جديدة من المعاناة والنضال. فمن انقلاب حزب البعث في سوريا إلى انقلاب القذافي في ليبيا مروراً بحقيقة أن مصر في تاريخها الحديث لم تُحكم إلا من العسكر، طبعاً إذا استثنينا مرسي الذي أُقصي بدوره بانقلاب عسكري بعد أقل من عام في الحكم.

دأبت هذه الحكومات الهزيلة على استمداد شرعيتها من الدعم الأجنبي، فنراها تتدثر بعباءة هذه الدولة أو تلك، لا لتحمي شعوبها من تأثير الرأسمالية أو الشيوعية كما يصور إعلامهم، وإنما لتحمي نفسها وسدنتها في حال أفاق الشعب من سباته أو طالب ببعض حقوقه. فعلى سبيل المثال: جمال عبد الناصر صُوّر لنا على أنه زعيم استقلالي ثوري نهض بالبلاد، في حين أنه تحالف مع بريطانيا لإنجاح انقلابه، ثم انتقل لأحضان السوفييت طالباً الحماية بعد فشله الذريع – بصفته قائداً للجيش – في صد العدوان الثلاثي (بريطاني، فرنسي، إسرائيلي). والطامة الكبرى التي ينساها البعض أو يتناساها أن عبدالناصر قد استلم مصر وكانت وقتها تتألف من مصر الحالية مع السودان بالإضافة لقطاع غزة، إلا أنه مات ولم يكن بقي من مصر إلا أقل من نصفها بكثير، فقطاع غزة وسيناء محتلان والسودان قد انفصل باتفاقية بين مصر وبريطانيا، أحد أعداء عبدالناصر المفترضين.

لكنك تجد هذه الحكومات -الدخيلة عنا بتصرفاتها والمشابهة لنا بلغاتنا وألوان بشرتنا – تمارس بالمقابل شتى صلاحياتها بحق شعوبها فيما يتعلق بتطبيق قوانين مفصلة على مقاس الطغاة وفرض أنماط حياة تلائم أهواء أسيادهم. فالحبيب بورقيبة ومن بعده زين العابدين بن علي عملا على تغريب الشعب التونسي وسلخه من هويته ليضمن دعم فرنسا له، وهذا ما حصل حين دعمت فرنسا الديكتاتور في قمعه للثورة التونسية حتى اضطرت للقبول بالأمر الواقع، حين هرب بن علي وأُجبرت حينها وزيرة الخارجية الفرنسية على الاستقالة. تترافق تلك الآلة الإعلامية مع رفع الطغاة لشعارات براقة مثل الوحدة والحرية والاشتراكية، شعارات لم تكن للشعوب إلا كالزقوم، لاتسمن ولا تغني من جوع. فالوحدة المنشودة لم تكن إلا وحدة الفقر، والحرية لم تعنِ للحكام إلا حرية الكفر، أما الاشتراكية فكانت اشتراكية الظلم والقهر. وبالنسبة لفلسطين فقد بيعت منذ زمن فهي ليست بحال أثمن من العروش، أما المتاجرة بقضيتها فهي من أربح تجارات الطغاة، فهم على غباء بطانتهم وبور تجارتهم استطاعوا بيعنا سراباً لعقود انقضت. على أنغام مثل تلك الشعارات، ترعرع جيلنا وأزهر ربيعاً طال على أجيالٍ قبلنا انتظاره. هذا الجيل الصاعد كان قد أُرضع فكراً يحطم شخصيته ويكسر أحلامه ويوطن نفسيته على قبول الهزيمة والاستسلام للأقدار، فلطالما علمونا حِكَماً من أمثال:  ما كل ما يتمناه المرء يدركهُ تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ.

الإخلاص للقضية والتضحية في سبيلها والثبات على منهجها يؤدي إلى لجم ضعفاء النفوس وتنوير عميان البصيرة وتقوية أصحاب العزائم مما ينتج بالضرورة جيل النصر والتمكين.

لكننا – أو كثير منا – لم يقبل بالهزيمة والقنوط بل كان يفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، متوشحاً حِكَمَاً جسدها بأفعاله ورواها بدمائه وسطرها للأجيال من بعده ولسان حاله يقول: تجري الرياح كما تجري سفينتنا نحن الرياح ونحن البحر والسفنُ. لكن رياح التغيير لم تكن لتجرف في أيام معدودة ما تراكم على امتداد نصف قرن من الزمان أو يزيد، ولن نتمكن بمجرد الهتافات والشعارات – على أهميتها – من دفع ثمن ما صمت عنه آبائنا وأجدادنا لعقود، إنما يُخيَّل هذا الوهن لضعيف الإرادة قليل الصبر. إن طبقة الفساد لن تقبل بنسف ما بنته لنفسها من أمجاد وهمية وأحلام وردية، بل ستقاوم حتى النفس الأخير، حتى إذا عجزت وبان خوارها استعانت بأسيادها الذين يلبون النداء مسرعين لا حباً في عبيدها فلا مشكلة لديهم باستبدال عجل أخرس بآخر له خوار – كما حصل في مصر- وإنما خوفاً من استفاقة شعب تعقبها هَبّة لبقية الشعوب التي مازالت كامنة تنتظر العواقب. كما أن رواسب عهد الخنوع وأفكار الخضوع التي لم تزل تدندن في أذهان كثير ممن أُشرب تلك السموم تُحتِّم علينا أن نكون طليعة هذه الأمة فنصحح المسار ونجادل بالتي هي أحسن ونُعرِض عن الجاهلين. وإن نجاح قوى الثورة المضادة بقلب الطاولة في مصر ليس دليلاً على عدم أهلية هذا الشعب أو ذاك للتحرر والانعتاق، فالإنسان مفطور على حب التحرر والاستقلال.

لكن ضعف البصيرة ووعورة الطريق تطفئ رغبة التضحية وحماسة إكمال الطريق. كما أن في انقلاب مصر دليل على فشل النخبة المثقفة في توجيه الشعب، فجميع الشعوب تتحرك بعقلية القطيع، ولربما طلب القطيع الأمان عند الذئب إذا أحس -صادقاً أو واهماً – برغبة الراعي بالتضحية ببعض أفراده. إلا أن أبرز ما كشفته الأيام في مصر وغيرها هو كذب المعارضات المصطنعة المتمسحة ببلاد الغرب والشرق، فالعلمانيون والليبراليون كما الشيوعيون والقوميون تماهوا جميعاً مع الثورة المضادة في مصر ومع الديكتاتوريات في غيرها.

ما حصل في مصر قد هزّ – ولابدّ – كيان الأمة فسقط في غربالها كثير ممن ركب موجة الشعوب أو كان غارقاً في خيالات أحلامه ظاناً أن الشعوب قد تحررت فعلاً من قبضة الاستعمار أو أن استبدال الرموز والمستحاثات يكفي لانعتاق الأمم. لكنه في ذات الوقت صحح مفاهيم كثيرة مغلوطة، فسلميتنا ليست أقوى من الرصاص، وأساس نجاح أي حركة هو تمسكها بمبدأين اثنين: عِلمٌ وبندقية. فالثورة الفرنسية قدمت آلافاً على مذبح الحرية، لم يضحي هؤلاء من أجل نجاح الثورة فقط وإنما في معارك من أجل صد الثورة المضادة المدعومة من ملكيات بوروسيا وغيرها. كما أن الغرب لم يصل إلى المدنية التي وصل إليها إلا بعد حربين عالميتين قضى فيهما ملايين في سبيل تحقيق غايات لهم – بغض النظر إن اتفقنا معهم أو لا. ورغم كل الانتكاسات المرحلية فإن ثورة أهل الشام هي الوحيدة التي أسقطت النظام فعلياً فاستعان بإيران وميليشياتها فعجزوا فجاءت روسيا بقدها وقديدها وقد عزمت على القضاء على الثورة في شهرين وها هي السنة الثالثة تمضي وما زالت روسيا عالقة في مستنقع قد ابتلع كل من سبقها.

الجدير بالذكر أن تصميم الشعب السوري على أهدافه الثورية من أمثال (الموت ولا المذلة) و (يالله مالنا غيرك) بل وخروجه بمظاهرات عارمة في جمعة (لا بديل عن إسقاط النظام) بعد ثماني سنوات من التضحية والإقدام ساهمت بوصوله إلى مرحلة الصمود المرحلي في وجه ثلاث دول بينها إحدى أكبر دولتين في العالم في ظل حصار دولي وحظر لتسليح الشعب ليدافع عن نفسه. وتاريخياً فإن المرحلة التي تليها هي مرحلة تجديد الدماء وانكسار الأعداء – بإذن الله – وما تفكك الاتحاد السوفييني بعد تدخله في أفغانستان عنا ببعيد. أخيراً فالإخلاص للقضية والتضحية في سبيلها والثبات على منهجها يؤدي إلى لجم ضعفاء النفوس وتنوير عميان البصيرة وتقوية أصحاب العزائم مما ينتج بالضرورة جيل النصر والتمكين، هذا الجيل الذي سينشد -بإذن الله-: والطريق إلى الفردوس من حالك الأيام أقرب.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.