شعار قسم مدونات

عبد الكريم الخطابي ومعركة أنوال الخالدة

مدونات - معركة أنوال المغرب

تطرقت في مقال سابق للحديث عن شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي من حيث المنشأ والدراسة وعن بعض مهنه التي زاولها في ظل التغلغل الاستعماري داخل الأراضي المغربية. ومحاولة هذه الدول الاستعمارية لسطو على الأراضي المغربية بطريقة بشعة، حاولت من خلالها القضاء النهائي على العنصر المغربي الذي شكل عليها خطراً كبيراً عبر التاريخ. وفي ظل هذه الأحداث المؤلمة التي سادت تلك الفترة من استغلال واستنزاف الثروات والخيرات المغربية لم يقف الشعب المغربي مكتوف الأيادي، بل حاول بشتى الوسائل والطرق إنهاء المستعمر والقضاء علية داخل الأراضي المغربية. فقد شكلت المقاومة الريفية نقطة تحول وتغير في تاريخ المغرب.

رغم أن المقاومة كانت حاضرة إلا أن التخطيط كان ينقصها، فكان لا بد من قيادة راشدة وللتحام شعبي بين القبائل لمواجهة العدوان الاستعماري الغاصب، وشخص يعرف المستعمر عن قرب. فكانت هذه الشروط والخصائص تتوفر في شخصية واحدة في الريف وهي شخصية محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي جمع القبائل الريفية تحت راية واحدة وقضية واحدة وعدو واحد. ومع أن الانتصارات التي حققتها المقاومة تحث قيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي لا تمثل شيئاً إذا ما قارنها مع معركة أنوال الخالدة.

بداية المعركة

في سنة 1920م عُين الجنرال (سلفستر) على منطقة مليليه ليكون على رأس القيادة العليا للجيش، وكان واضحاً من سلوكه وتصرفاته المستفزة لرفين مستعجلاً بذلك اكتساح المناطق الريفية الشرقية غير مكترث بما قد تقوم به القبائل الريفية، من ردود دفاعية فتاكة وقوية. فبعد أن بدأت القوات الإسبانية التوغل داخل الأراضي المغربية، التي استطاعت في بداية الأمر احتلال مجموعة من الأراضي المغربية وإقامة أزيد من 100 مركز للمراقبة. كما بدأ الزحف الإسباني نحو مدينة مليليه واحتلال بعض المناطق دون مقاومة تذكر، فاحتل بعد ذلك منطقة أنوال، كما أنه بدأ فعلا يحرز بعض التقدم الميداني والاستيلاء على معاقل الريفيين. ظن المستعمر أن القبائل قد خضعت له، سيما أن الحرب قد وضعت أوزارها وأعطت بذلك نفساً جديداً للإمبريالية. والذي غاب عنهم أن الأمير عبد الكريم الخطابي كان يستدرجهم إلى المناطق الجبلية لينهي الاستعمار الإسباني تماماً، وأنه احتفظ برجاله لمعركة حاسمة بين الجيشين، ولما نزل الجيش الإسباني في أنوال وعلم الشيخ عبد الكريم الخطابي بنواياهم السيئة، نزل مع جيشه رغم قلة العدة والعتاد، لكن الإيمان بالله كان أبرز خصائصهم إضافة إلى التخطيط الجيد والصحيح.

استخدم الأمير حيال ذلك خطة حرب العصابات الغير منظمة واستدراج الإسبان إلى تضاريس وعرة ليجدوا أنفسهم محاصرين تحث قبضة الخطابي ورفاقه.

بلغ تعداد الجيش الإسباني 20 ألف مقاتل متمرس استطاع الوصول إلى جبل وعران قرب أغدير مهاجماً المناطق المجاورة، عندها قام الخطابي بشن هجوم مماثل بحيث كانت خطته أن يهجم الريفيون على الاسبان في وقت واحد على جميع المواقع. ووزع عدداً من رجاله في مناطق مختلفة لاصطياد الجنود الفارين من الحرب، وكانت خطته أقوى رغم بساطة أسلحتهم وقلة جنودهم، واستخدم الأمير حيال ذلك خطة حرب العصابات الغير منظمة واستدراج الإسبان إلى تضاريس وعرة ليجدوا أنفسهم محاصرين تحت قبضة الخطابي ورفاقه. فألحقوا بهم هزيمة نكراء دفعت الجنرال الإسباني (مانويل سلفيستر) للانتحار، وخسائر فادحة أكثر من 15 ألاف قتيل بما في ذلك ضباط كبار وما يناهز 700 أسير. كما استولى المجاهدون على 130 موقع وحوالي 30 ألف بندقية وأكثر من 200 مدفع وسيارات وشاحنات عسكرية وكل هذا بجيش تعداده 3 ألاف مقاتل ريفي مغربي واستمرت المقاومة وتحرر الريف بالكامل. لقد كانت خطة عبد الكريم الخطابي محكمة وكان لها أثر كبير على نتائج الحرب بقوة بسيطة وعتاد قليل وصدمة عارمة في نفوس الإسبان. وما زال الخطابي يشكل رعباً لهم، وما زالت هذه الهزيمة تذكر في كتبهم ومغروسة في عقولهم على يد الفلاحين والبسطاء.

نهاية المعركة

بعد مخاض عسير بين الإسبان والريفيين انتهت الحرب بانتصار الريفيين على الإسبان وعُرفت هذه الملحمة بمعركة أنوال الشهيرة التي ذاع صيتها في العالم على يد القائد العظيم عبد الكريم الخطابي. وبعد هذه الهزيمة التي ألت بالجيش الاسباني الى نشر الشائعات حول الأمير، بأنه يطمع في الحكم والسلطة وغرس الخونة داخل المقاومة حدث نوع من الانقسام داخل جيشه. وبعد أن أعلن الخطابي جمهورية الريف المستقلة عام 1923م الجمهورية المسلمة المستقلة حينها، أثار ذلك خوف الفرنسيين الذين رأوا في الخطابي تهديداً لهم أيضاً، فهاجموه بكل قوتهم متكبدين ألاف القتلى تحث خطة وبراعة الخطابي. واضطر الفرنسيين للتحالف مع الإسبان وشكلوا بذلك قوة كاسحة تعدادها ربع مليون جندي، مدعوم بأقوى الأسلحة والطائرات. كما استخدموا لأول مرة السلاح الكيماوي واستهدفوا العائلات والأراضي الزراعية واستعادوا بذلك الأراضي التي فقدوها، وأسر على إثرها الخطابي وثم نفيه خارج البلاد 20 عاماً. تم تقرر نقله الى فرنسا مروراً بمصر فطلب اللجوء للمصر فقبل، فأكمل ما تبقى من عمره فيها إلى أن رحل سنة 1963م تارك وراءه إرثاً أكبر من مجرد ثورة وهو القائل: "لقد هُزمنا لكنني مقتنع أننا لو كنا نملك الوقت، لكنا أمة عظيمة من الرجال الأحرار، ولأعطي نضالنا للرفين الفخر والأمل والثقة بالنفس التي لا يمكن أن تمحوها أية هزيمة" المناضل عبد الكريم الخطابي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.