شعار قسم مدونات

بين من يحب الحياة.. ومن يحرص عليها

blogs-حياة

يصبح الإنسان سلبياً خالياً من بشريته عندما يحرص على حياة نكرة غير مقترنة بأل التعريف، وشتان بين من يحرص على الحياة المعرفة، الحياة العزيزة البعيدة عن الذل والهوان، وحياة الحرص على المطعم والمشرب التي لا ترتقي كثيراً عن طموح الحيوانات والبهائم العجماوات التي لا تعرف اللغة ولا تعرف العقل ولا التفكير ولا الإحساس ولا العاطفة، اللهم إلا من الغريزة التي أوجدها الله فيها للبقاء وللتكاثر بها تحمي أبناءها وتعطف عليهم وترحمهم.

إذاً هو تعبير بليغ ومعجز في آن واحد يذم به القرآن طائفة من البشر يتخلون عن أخص خصائص بشريتهم، فإذا هم يحرصون على حياة نكرة لا معرفة، هابطة لا سمو فيها بهيمية لا إنسانية "وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ على حَيَاة" عندما يحرص البشر على حياة يصبح بطن الأرض خير من ظهرها. عندما يحرص الناس عل حياة فلا وجود للقيم ولا وجود للأخلاق تصبح السياسة قذرة ويصبح الاقتصاد غش وخداع ويصبح المجتمع بلا روابط ولا علاقات بل انتهازية وأنانية وأثرة. يسود الجبن والهلع والخوف في المجتمع الحريص على حياة كما وصفه الفاروق عمر حينما قال وهو يصف الجبناء، يقول فالجبان يفر عن أبيه وأمه والجريء يقاتل عمن لا يؤوب به إلى رحله، وشتان بين صورتين متناقضتين يلتقطهما لنا فاروق هذه الأمة في ذلك الزمن الجميل الذي كان يعيش فيه وللمفارقة أيضاً. فانه لم يخل ذلك الزمن من الجبان الذي يفر لجبنه وخوره عن أبيه وأمه وهما في أمس الحاجة إليه إيثاراً للسلامة وحرصاً على الحياة، بل حرصاً على حياة بدون أل التعريف.

كم خسرت مجتمعاتنا العربية والإسلامية وهي تربي نفسها وتربي أجيالها على ثقافة الحرص على حياة وعلى ثقافة المشي بجانب الحيط والحرص على الأبناء.

أما في الجانب الاخر من الصورة، فنرى صورة الشجاع الذي يقاتل عمن لا يؤوب به إلى رحله. كم هو خلق جميل ورائع أن ترى ذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يرى أمامه، إنساناً يتعرض للظلم وللخسف والعسف دون أن ينصره ويساعده بل ويقاتل دونه وعنه وربما يفقد روحه وحياته مقابل الدفاع عن شخص يعلم يقيناً أنه لن يرجع معه إلى رحله أو بيته أو حيه أو مجتمعه، ولن يلومه أحد في عدم الدفاع عنه أو القتال دونه.

من هنا نعلم من مقارنة بسيطة بين صفتين مختلفتين لموقفين مختلفين من جبان وشجاع، بتلك المفارقة ندرك كم خسرت مجتمعاتنا العربية والإسلامية وهي تربي نفسها وتربي أجيالها على ثقافة الحرص على حياة وعلى ثقافة (حط راسك بين الروس) وثقافة المشي بجانب الحيط والحرص على الأبناء وتربيتهم ومأكلهم ومشربهم وتزاوجهم وتناسلهم. حتى تبقى تلك الثقافة – الحرص على حياة – تتوارثها الأجيال ويسلمها جد لحفيد، ثم نتساءل بعد ذلك ونتباكى على مآسينا ومشردينا ولاجئينا وفقرنا وعوزنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس.

كيف لنا أن نتصور ونحن في القرن الحادي والعشرين وفي عصر الحريات والتكنولوجيا ووسائل الاتصال السريع والثورة الرقمية، كيف تجهض وتسرق الثورات، كيف لامة ورثت كل هذا الرقي من القيم والأخلاق والتاريخ. كيف لها أن تستكين لطاغية يقتل شعبه ويشردهم بالملايين في شتى بقاع الأرض وطولها وعرضها كيف لها أن ترضى بذلك إن لم تكن أشربت الذل والجبن والركوع لغير الله، والحرص على حياةغريب. كيف تقوم في بلداننا العربية ثورات على الظلم والدكتاتورية التي استمرت عشرات السنين، وبعد أن يتذوق الناس نسيم الحرية ورياح العدل والمساواة، وبعد أن رأينا دموع الفرح في وجوه الكبار والصغار والنخب والمثقفين وهم يقولون باكين هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية. هل من هرم من أجل تلك اللحظة وحلم بها في منامه ورآها تتحقق واقعاً أمام عينيه، هل يفرط فيها بكل تلك السهولة إن كان قد تربى فعلاً على قيم الرجولة والعزة والإباء ورفض الظلم. كيف لمن يتخلص من ديكتاتور ويعيش في ظل الحياة التي حلم بها، أن يستنسخ بعد شهور من هو أشد منه طغياناً وظلماً وسذاجة واستخفافاً بعقول الناس وأفهامهم. إن لم يكن الحرص على حياة داؤنا فماذا يكون إذاً؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.