شعار قسم مدونات

تعبت الوجوه من حمل الأقنعة!

blogs-سقوط الأقنعة

يقول مارك توين: "ناكر الجميل هو أسوأ مخلوق على الأرض" قالت إننا صديقتان قبل أن نكون قريبتان. كان ذلك قبل 12 سنة حين كنا بعمر الطفولة، مع أن قريبتي كانت تكبرني بسنتين، ‏لكن من كان يرانا للوهلة الأولى، ويرى انسجامنا لا يدرك الفرق. كنا نتشارك الأفكار والطموحات وعديد الأمنيات، كنت ‏أنتظر العطل بفارغ الصبر حتى أنتقل من مدينتي إلى الريف حيث تقطن قريبتي وأنا على أحر من الجمر لمزيد من الشغب ‏والمرح الذي كنت أتقاسمه معها، وكل خططنا العفوية التي كانت تلحقها صيحات جدي وصراخه حين يعنّفنا على ما كنا نثيره ‏من فوضى ميزتها ألوان الطفولة. كم سهرنا وتعاهدنا وكم أن الحياة مرآة تعكس زيف الواقع.‏

في الصِّبا كنت أرى في قريبتي القدوة وأننا نتشابه كثيراً وأنا التي لم تكن لها صديقة مقرّبة، فبعد انتقال عائلتي لبيت جديد وأنا ‏في سنّ الرابعة لم يكن لي رفيقة كل ذكرياتي كانت مع أخي الذي يصغرني بسنتين وقريبتي التي كنت ألتقيها كلما سمحت لي ‏الفرصة. غير أن العديد من أقربائي الذين كانوا يجاوِرُونها في السكن كانوا يمتعضون من صداقتنا ويحذّروُنَنِي باستمرار ‏أنها ذات مكر وخداع وتغدر أحياناً، لم أكن أعي وقتها شيئاً فلم يكن يبدر منها أي خطأ أو تصرف سيء تجاهي، بل كانت ‏تعاملني بشكل حسن، حتى لازلت أذكر في زمن لم تكن تغطيه شبكات الإنترنت واللاسلكي كما اليوم. كيف كنت أتبادل ‏الرسائل معها التي أقضي وقتاً في كتابتها، كلما زارت والدتي بيتها أخذت ما كتبته لها وتُبادرني هي برسالة ردِّ تطمئنني عن ‏حالها.‏ لم أكُن أتوقّع يوما أن زمن الصِّبا الجميل سَيَّجَهُ الغدر، وأن قريبتي ستُصبح ذات يوم البعيدة عن القلب والخاطر. بدأ كل شيء ‏حين انتقلت قريبتي للعيش بجواري لم تكن بوادرها بادية ولا نواياها واضحة المعالم، كنت متفائلة أننا قطعنا شوطاً كبيراً من ‏صداقتنا، حين تجاوزنا حد المسافة الفاصل وصارت شوارع المدينة وأنديتها مكاناً للتلاقي، وأننا أصبحنا كفراشتين تُحلقان بلا ‏قيد، وكنت أشدّ فرحا أن التي تشاركني النوادي والجمعيات الخيرية قريبتي وصديقتي كم سهرنا وحضرنا وفرحنا معاً ‏وتقاسمنا عديد اللّحظات، إلى أن بدأت تلك الرّوح وبريقها يخفت شيئاً فشيئاً دون إنذار مسبق.‏

عليك ألا تثق في تصنّع الآخرين المُبالغ فيه، ‏وأن تكون حذرا في جميع معاملاتك فليس كل قريب تعلو به الأخلاق والرُّتب وإن بعض المواقف تستدعي منك قرارات حاسمة.

كنت أتساءل في نفسي عن سبب الفتور في علاقتنا الأخوية، فباستحداث منصات التواصل الاجتماعي لم أعد أتواصل مع ‏قريبتي وصارت تبتعد أكثر فأكثر، ومع الأيام لم تعد سوى رقم مشفر يحمل اسم صديقة مدرجة مع مجموعة الأصدقاء، ‏ومع بداية مشواري الجامعي صرت منشغلة أكثر وأنا أدرس تخصصاً لا أدري كيف ساقتني الأقدار إليه في وقت كنت فيه ‏أشد احتياجاً لمعرفة طبائع الناس وفهم سلوكهم وطُرق تفكيرهم. كلما رفعت رأسي وأنا أقرأ مقدمة بن خلدون لألتفت رأيت ‏قريبتي تبتعد أكثر عن شواطئي، لا أدري إن كان هواء مدينتي أثقل كاهِلهَا؟ أم أنني اليوم أنظر بعيون أخرى؟ ولأوّل مرة أقرأ داخلها وأنا ‏التي كنت مفتُونة بسحر خارجها ولا تُلقي بالاً لما يقوله بقية أقربائي، في لحظات كنت أظنهم يريدون تفرقة صداقتنا وجعلي ‏أسيء الظّن بها. حتى أذكر ذات حادثة بين أفراد العائلة حين تمّ اتهام قريبتي بإشعال نار الفتنة كنت أدافع عنها دائماً وأقول ‏لهم أنها صادقة وبريئة ومسكينة طيبة لا يعلو صوتها أبداً!

نعم من كثرة إيماني بنقاوة ضمير قريبتي، كدت أقع في شرك الإلحاد والاعتقاد المطلق أنها مسالمة ،حتى ارتشفت ذات يوم ‏من سمِّها أو بالأحرى يوم سقطت الأقنعة أبصرتُ حقيقة قريبتي، بعد أن كدت أهلك ولم تكلّف خاطرها لتحذرني رغم قساوة ‏المسلك الذي كنت سأعبره كانت تقف من بعيد تنظر إلى قريبتها في صمت وصبر وتحفظ، وليست المرة الأولى التي أرى ‏فيها بشاعة الإنسانة التي قاسمتها طموحاتي ذات يوم ، ففي إحدى المرات نسجت خيوط العنكبوت مع زميلاتي المقربات بيد ‏أن صداقتنا تصدت لكل محاولاتها، وآخرها كان يوم نجاحي حين تعمدت أنا عدم دعوتها واكتفيت فقط بالمخلصين وثلة ‏المحبين ممن كانوا حاضرين معي دائما بدعواتهم ونقاوة ضمائرهم وعلموني بقربهم معنى الحب والصداقة والوفاء، فكان ‏آخر ما بجعبة قريبتي البعيدة أن نفثت آخر سمومها بترهات يتغافل عنه المثقف ولا يلقي له بالاً وخير ما يرد به قوله تعالى "خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ" لو تعلم قريبتي البعيدة أن كل ذلك لم يكن له وقع في نفسي وأننّي لم أحتسب من الثلاثة إلا واحدة: أفنُضَحٍّي بالقريب؟ أيُّ ‏متعة وراحة كان يُسعفها قلبك وأنت ترمين قريبتك أو صديقتك لمسالك غير واضحة المعالم أيّ صداقة هذه؟ وإلى أي دين تنتمين؟ قد نعفُو ‏عن خطيئة من يُخالفنا المعتقد، لكنّ قرارتنا ستكون صارمة مع الذين يجعلون من الإسلام مجرد طقوس وسط احتباس ‏الأخلاق والقيم وانعدام الضمير.

 نعم أقولها بكل أسف قريبتي التي اتبعت شبح الغواية والتيه، وانساقت وراء مغريات الحياة ‏وسط ضياع روحي ودون وصال سماوي. لا أقول إنها ناكرة الجميل فما المسلم بمنّان، وقد لا تسعفني الكلمات لأصف مرارة ‏ما أفقت عليه. سنوات من القرابة الزائفة وعزائي فيها كلمات كنت قرأتها للأستاذ أيمن العتوم في روايته (كلمة الله) نحن نتغير ‏بسرعة، أحيانًا مثلما تتغير السحب في السماء، وهي تركض لاهثة وراء مصيرها في الفضاء المطلق! من يستطيع أن يصدّ قلبه عن رياح التغيير حتى لو بنى حوله ألف جدار وجدار! وإني اليوم لأقف على صحة ‏الحكمة القائلة: (أن ما يؤلم الشجرة ليس الفأس، بل ما يؤلمها حقا أنه مصنوع من خشبها) وأخبرك شيئاً، لا تستغربي المذاق ‏المر لحساء نسيجه كلماتي فقد حضرته مما جمعته من بستانك وخلاصة معرفتي بك وما تشتهيه نفسك فقد كنت ذات يوم المُقَرَّبَة

الحياة عصارة تجارب عليك أن تجاهد لتشاهد، وتحارب لتعيش منهجك فيها أن تصل من بنى جسراً للوصل وتترك من بنى سداً للفصل ‏وحسب كل امرئ ما بنى. هكذا حدثتني شيماء بكل ثقة ويقين وهي توصيني أن القريب قال‎: ‏"اقتلوا يوسف" أما الغريب فقال‎: "أكرمي مثواه" ‎إن الوصول إلى ربوة ذات قرار بعد بحر هائج ليس بالأمر الهين. فقط عليك ألا تثق في تصنّع الآخرين المُبالغ فيه، ‏وأن تكون حذرا في جميع معاملاتك فليس كل قريب تعلو به الأخلاق والرُّتب وإن بعض المواقف تستدعي منك قرارات حاسمة ‏وحتمية مفادها "نسقطكم من حيث رفعناكم نطويكم طي الصحف إن وَجَبَ‎!‎ ولا تتردّد في قول" هذا فِراقُ بيني وبينك. ‎قُلها بمليء ‏ما فيك لمن يؤذيك، فليس هو بأفضل من الكليم، ولستَ أنت أكثر حلماً من الخِضر‎ ‎لا تخشى أحداً مادام الله معك يعلم سرك، ظاهرك ‏وباطنك فمن عليك؟‎ ‏ كثيرون هم المتساقطين على طريق الدعوة وإن الأقنعة لتخجل من قبح حامليها.‏

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.