شعار قسم مدونات

لا تؤخر مديحك ليصبح رثاءً!

blog_ مدح

في كل جلسةٍ واجتماعٍ مع رفيقٍ وقريب، وفي كل سهرةٍ والتفافٍ حول مائدةٍ تجمع الأحبة، هناك لا بد من مقعدٍ خالٍ، ظاهرٍ أو مضمّنٍ في قلوبنا.. وتقبع تفاصيل صاحبه في زوايا ذاكرتنا، لم ينسه أحدٌ منا ولكننا تناسينا، نفكر: لو كان هنا من رحل، كم من الكلام أردنا قوله؟ وكم من لحظةٍ أردنا أن نتشاركها سويةً، كم من القصص أردنا سردها؟ وكم من النظرات لم نتبادلها؟

 
لكن الموت كان في رُدهةٍ أقرب، والوقتُ لم ولن يمنحنا شرفةً أبدية تخلّدنا وأهلنا مدى الحياة !فأين اختبئ هذا السيل من البوح ببلاهة طيلة العمر؟ وكيف أخرجه الموت دون نفعٍ.. ودون فائدة؟! اليوم، وبعد غيابٍ طويلٍ وذكرى موت عزيزٍ كان حاضراً بالأمس، حيث كان من الممكن أن يسمعَ ويقرأ، في حين لم نكن نقول ولا نكتب.

 

لسنا قادرين حتماً على صنع الوقت واستعادة الحياة ولكننا قادرين على أن نمنح القلب حقه، والأفراد قيمتها، والابتسامة موضعها، والصديق قربٌ

أذكر قول أحد الأفاضل: "لا خير في ندمٍ لا يُعلِّم"؛ فقد يعلِّمنا الموت أن هذه قد تكون آخر لحظةٍ تجمعنا بأحبائنا، وآخر حديثٍ نتبادله.. وآخر شجارٍ وعناقٍ وسلام! لماذا ننتظر إذن أن يموت شخصٌ حتى نكنّ له هذا الكم من العطف؟ لماذا ننتظر أن يرحل عزيزٌ حتى نخبره بلا فائدة أننا نستاقه؟ لماذا نهمس على قبر راحل بأنّه أغلى ما كنا نملك، في حين أننا لم نخبره في حياته؟ لماذا ننتظر قدر الموت لنكيل لرُفاتِ أحدهم عبارات الثناء والتقدير؟

  

ما الذي يستفيده ميت بعد أن ترفع له تمثالاً تمجده؟ لماذا ننتظر أن تموت موهبة حتى نقدر قيمتها؟ أين كان الثناء من حياتهم؟ وأين كان التقدير من دفعهم للأمام؟ أذكر أنني تعجبت مرة حين عرفت بأن الرسام الهولندي "فان جوخ" لم يبع في حياته القابعة بالفقر إلا لوحةً واحدة، في حين أن لوحاته بيعت بعد وفاته بالمليارات! كلفّه تقديرُ موهبته حياتَه، و تكلفنا غفلتنا حيواتٍ وتفاصيل وأماكن..!

 

أعرف أنّه من طبع الإنسان أن لا يشعر بقيمة الشيء إلا عند فقده، ولكن ماذا لو كان الشيء المفقود إنساناً له من نصيب التشارك في الحياة ما له من وقت؟ لا تؤخر مديحك ليصبح رثاءً، لإيماني بقول محمود درويش: "الرثاءُ، مديحٌ تأخر عن موعده حياةً كاملة" ولا تتوانى عن تقدير ذي قدرٍ تراه، لإيماني بقولٍ آخر لجبران خليل جبران: "وردةٌ واحدةٌ في يد إنسان على قيد الحياة، أفضل ُمن باقة كاملة على قبره".

 

يُقال أيضاً: "أذكروا محاسن موتاكم"، ولكني أيضاً أؤمن بما قبل الموت، فما أجمل محاسن أحيائكم!أخبر صديقك مثلاً بأنك تحب صوت ضحكته المخيف، وأخبري صديقتكِ بأنها جميلة عندما تغضب.. قل لزوجتك أنّك تحبها ولأخيكِ أنه كتفكِ، ولمؤذن المسجد أن جمال صوته يضاعف الخشوع، ولطالباتكِ أنهن قادراتٌ على التميز، قُل لجارتكم بأن رائحة طبخها الرائعة في آخر الشارع تشعركم بالجوع.. ولأمّك بأنها السيدة الأولى في قلبك.

 

أخبروهم، قبل أن تنفجر حناجركم أسىً دفعة واحدة، وقبل أن تتحول كل مشاهدهم إلى مطوياتٍ على رفٍ عتيق، قبل أن تنغلق وجوهكم المتكتمة عند ذكرهم. أخبروهم قبل أن تخبرونا بعد وفاتهم! الكلمةُ الطيبة تنجب حياة، ويضاعف أثرها أن تخالط فعلاً طيباً، يقول في محكم كتابه: "مَثَلُ كلمةٍ طيبة كشجرة طيبة تؤتى أُكلها كل حي" لسنا قادرين حتماً على صنع الوقت واستعادة الحياة ولكننا قادرين على أن نمنح القلب حقه، والأفراد قيمتها، والابتسامة موضعها، والصديق قربٌ، ووجه الأم قبلةً.. فلعل ذلك يحدث أثراً يبقى ويقلب الموازين، لا تدعوا الندم يجلد أرواحكم، فالموت لا ينتظر أحداً.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.