شعار قسم مدونات

افتحوا الحدود.. وأغلقوها إن استطعتم!

blogs المغرب الجزائر

هنا تفتقت عبقرية صناع الخرائط على تقطيع الوصل، وانتخب هذا الوادي الذي جف ماؤه فاصلا بين الهنا والهناك. كل من تجشم التجربة ووقف على المكان الذي أصبح مزارا للمأساة، انطبع إلى الأبد بالمرارة وأصابه فراغ القلب الرهيب، المشوب بذهول ورجفة اللحظة. التشابه ليس شهادة الجغرافيا فحسب، ولا حكايات ذاكرة متعبة.. بل هو أبعد.

علمان يرفرفان على الجانبين. علم المملكة من هنا، وعلم الجمهورية من هناك. يتناجيان بإيقاع الريح البحرية التي تهب على شاطئ ممتد بجنسيتين. ولا أحد يدري كيف تشكلت هذه العادة التي سنها المسافرون. تتوقف السيارات والحافلات عند مكان يقترب فيه الطريقان البريان على طرفي الحدود حتى تصبح المسافة البغيضة بضعة أمتار. لا أحد يفلت من صدمة اللحظة وورطة السؤال قبل أن يبادر المغاربة والجزائريون إلى تبادل التحايا ورفع قبضة الأخوة، في مكان أصبح ضريحا لجسد مشطور في ليالي التقسيم الحالكة وانجرافات الدولة القطرية المنكفئة.

أما الوجع المادي الذي يحفظه الحجر وتشهد به خطوط السير المهجورة فيخيم على البيوت والأسر الموزع دمها بين سيادتين، أم هنا وأب هناك، جد هنا وحفيد هناك. والفقراء ضحايا في كل الأحوال والعبر. قليل منهم من يقو على وصل رحم مشتت بطريق التفافية تستنفذ رحلات البر والجو، بينما الأخ والقريب على مرمى حجر. لحسن الحظ، الأحفاد لم ينسوا، بل يعينوا آباءهم وأجدادهم على وصل ما انقطع بتطبيقات الفيديو التي يرى من خلالها المرء في وجه أخيه البعيد القريب كم حفر الزمن من أخاديد المحنة والفراق.  

تلك الأعلام المغربية والجزائرية التي تتعانق في مدرجات الملاعب عبر العالم وفي محافل الغناء ليست حدثا بلا دلالة

ثمة جيل في طور الانقراض عاش ذاكرة تحكم على واقع الحدود المادية والمعنوية منها بين المغرب والجزائر بالشذوذ والعقوق. هؤلاء الشيوخ الذين عاشوا زمن اصطفاف مشترك في خندق مقاومة الاستعمار، يجترون ألم الاغتراب منذ اقتضت "حكمة" السياسة أن يكمل كل من الشقيقين طريقهما على انفراد. أراهم بنظرتهم الخريفية الشاردة يسائلون الأبناء والأحفاد: أي غد ستختارون من بعدنا؟

الكأس نصف مملوء لحسن الحظ. في الفن والثقافة والرياضة، يندهش المرء كيف صمدت هذه الحساسية المشتركة والانسجام الخلاق والتواطؤ في قطاعات تعتبر بحق المجال الأصيل لتجسيد الروح الإبداعية للمجتمعات وتفجير الطاقات المعبرة عن الذات الفردية والجماعية. تلك الأعلام المغربية والجزائرية التي تتعانق في مدرجات الملاعب عبر العالم وفي محافل الغناء ليست حدثا بلا دلالة، خصوصا أنها منتظمة ومتجددة تحمل مغزى الانصهار الوجداني الحي. أقوى حفلات فرقة ناس الغيوان احتضنتها مدن الجزائر، وأنجح حفلات نجوم الراي الجزائري اجتذبت مئات الآلاف من شباب المغرب. أما في ساحة النخب الثقافية، فالوصال لم ينقطع، ويعرف واسيني الأعرج وبوزيد حرز الله أصقاع المغرب، وحتى النائية منها أكثر من مغاربة كثر، بقدر ما يحظى رموز النقد والفكر المغربي باهتمام خاص في الجامعات الجزائرية. 

قلت لواسيني ذات لقاء في وجدة التي اعتاد طفلا زيارة عائلته بها دون أوراق وحواجز: لقد تعب الناس وقد لا يعود الزمن إلى النقطة التي نريد. لكنه ينظر أبعد فيرى عقود القطيعة "لحظة طارئة" بحساب تاريخ الشعوب. لنصبر أكثر، ولنراهن على إبقاء الجمرة متقدة في قطاعات الشعبين، جماهيره ونخبه.

هنا وجدة. ومن غيرها أولى شرعية ورمزية لتحمل لواء آصرة لا تنفرط. أكبر الحواضر التي تئن بجرح مجالها الحيوي الوجداني. معقل خلفي لخلايا الثورة الجزائرية، وبؤرة ثقافية تحتضن الموروث المشترك للشعبين. هي مصالحة مع الهوية ووفاء للذاكرة يظلل موعدا ثقافيا وفنيا يجسد كل القيم والمشاعر التي حجبتها السياسة وداسها سباق الزعامة وحذر الجوار. إنه مهرجان السينما المغاربية الذي تحتضنه وجدة بمبادرة جمعوية تذكي شعلة الاتحاد على الشاشة الكبرى في عصر يدون تاريخه صوتا وصورة. الحدث سينما لكن الممثلة الجزائرية كانت طافحة بالحماسة والجرأة حين زايدت في المنصة على السياسيين في البلدين: "فليفعلوا ما أرادوا بالحدود… فإن قلوبنا مفتوحة للحب والأخوة". 

بماذا تشعر أيها الحامل لانتماء موزع بين جوازي سفر.. سألت الشاب الساهم في الأفق. قال: عينان في رأسي… مدينتان في بلد. لقد نسي من فيهما المغربي ومن الجزائري، أبوه أم أمه، لكنه يشعر بدفق هوية تتنفس برئتين…

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.