شعار قسم مدونات

مانديلا.. المسيرة الطويلة من أجل الحرية

blogs مانديلا

منذ صغري كنت محبا بمعرفة تاريخ المناضلين وتتبع حياتهم سلوكاً وفكرة وأدباً، كما كنت مشغوفا بقراءة يومياتهم وتآليفهم لمعرفة طبائعهم وأيديولوجياتهم ومحركهم الداخلي، وكان المكافحون الحقيقيون مثلي الأعلى في الحياة لأستمد من حياتهم قوة تدفعني نحو تحرير بلدي الذي أحمل هم توحيده من جديد، كنت أحمل فكرة الصومال الكبير وأن يعيش شعبي الممزق يوما تحت عَلم يجمعهم ودولة تضمهم جميعا، وكنت أتخيل المشاهد الرومانسية الحالمة التي تأتي من الخيال السابح في فضاء الحرية.. سيلتئم الجرح وتختفي المعاناة وتذهب التجزئة ويتوارى عن الأنظار الحدود الكاذبة.

ولقد استمتعت بالسفر الى حضرة الثائرين الحقيقين، وحاملي لواء الكفاح في العصر الحديث، بدأ من الإمام أحمد جُري أيقونة الجهاد في القرن الإفريقي، والسيد محمد عبد الله حسن داحر الإنجليز وقاهر الطليان، وعبد القادر الجزائري قائد ثورة مليون شهيد، وغاندي وثورته السلمية التي قادها النباتيون الذين قابلوا بندقية الإنجليز بصدور عارية، إلى بوليفار ملهم شعوب الّلاتين ومحرر السكان الأصلين حتى أصبح أيقونة وطنية، وسميت – لاحقا جمهورية كاملة باسمه، تيمنا بشخصيته وتاريخه ونضاله المشروع ضد المحتل الإسباني.

إلى الثائر اليساري والطبيب الإنساني جيفارا الذي ترك العيادة والمشرحة إلى ساحات الوغي في الغابات الكوبية والأحراش الإفريقية إلى أن وصل صدى كفاحه جميع أصقاع العالم من منهاتن غربا إلى مبوتو شرقاً حين قال: "لا يهمني متي وأين سأموت! بقدر ما يهمني أن يبقى الثوار يملؤون العالم ضجيجا كي لا ينام العالم بثقله على أجساد الفقراء والبائسين والمظلومين".

ولا أنسى مهدي السودان صاحب المعارك الفاصلة مع الإنجليز وخليفته عبد الله التعايشي، وقرأت الثورة العاتية في موزامبيق التي كان الرئيس الصومالي الأسبق سياد بري يدير في ملفها الساخن بتفويض من "منظمة الوحدة الإفريقية"، والثورة الأنجولية الباسلة وكيف قاوم الشعب ضد المحتل البرتغالي. وأخيرا القضية الأولى للعرب والمسلمين فلسطين المحتلة وشعبها الباسل الذي سطر أروع الملاحم وأجمل البطولات على جبين العالم المتغطرس الذي يدافع اليهود ويكرس تفوقهم العسكري والاقتصادي.

كانت قصة نيلسون مانديلا ذات شجن ومشاعر إنسانية مؤلمة، تجعل الإنسان يستحضر المعاناة، والمطاردة التي تعرض لها هذا الشخص الملهم بسبب مواقفه الشجاعة

أوردت هذه الأمثال تمهيدا لحكاية أحببتها وعشت في تفاصيلها ولو بومضات السطور، قصة مليئة بالمواقف الإنسانية وحرق الذات من أجل الآخرين، قصة تجسد كيف يقاوم الإنسان ضد العدو والأمراض والجوع، والزنزانات، وشقاء الحنين، وعذابات المنافي الإجبارية من أجل قضية آمن بها وكرس حياته من أجلها.

لقد ذرفت الدموع من عيني وأنا أقرأ قصة كفاح "شعب جنوب إفريقيا" وبسالته حين أصر على انتهاء مظاهر التمييز العنصري ــ رغم قلة اليد وضخامة العقبات ــ وأن يكون سيدا لوطنه عزيزا في مرابعه، يمارس الحياة في ظل وطن لا يشعر فيه المواطن سوى الانتماء والكرامة وصون الحقوق والحريات. في فصول النضال وفي صفحات الملحمة كانت التحديات ترتفع والأمنيات تتسع وكانت الجموع ترسم ريشة الفداء خارطة الوطن.

لم أشعر مسافة السفر التي كانت قرابة 400 كم ما بين غاريسا حاضرة الإقليم الصومالي في كينيا ونيروبي وأنا أتصفح كتاب المناضل الكبير ماديبا "المسيرة الطويلة من أجل الحرية" الذي أودع فيه مانديلا فصول حياته، بدأ من ولادته عام 1918م في قرية مفيزو بمقاطعة أوماتاتا بإقليم ترانسكاي في جنوب أفريقيا، وحتى أخر يوم استلم فيه مقاليد الحكم من البيض الذين عذبوا واضطهدوا المواطنين الأصليين بسبب لونهم وثقافتهم ومعتقداتهم، ومارسوا ضدهم أبشع أنواع التمييز العنصري والاستعباد البشري.

لقد ترك عبقري القارة في هذا الكتاب قصة تستحق أن تكتب بماء الذهب بل بماء العيون، من لحظة ولادته من أب عصامي وأم حنون، إلى تركه من حياة القرية الروتينية إلى زخم المدينة، ومن دراسته الجامعية إلى انخراطه في صفوف حزب المؤتمر الإفريقي، ومن معاناته وأشجانه وأحزانه، وحكاياته، وتصوراته وأفكاره، وانكساراته، وأفراحه، وإنجازاته التي خلدتها التـاريخ في أنصع صفحاتها.

ولكم كان كبيرا في عيني حينما قرأت المعاناة التي مر بها من أجل مبادئه ومعتقداته، وكيف طرد من مدينته جوهانسبيرج التي كان عاملا ينقب الذهب في مناجمها إلى سويتو تلك الضاحية البائسة التي أصبحت منفى للسود والملونين في منتصف وبداية القرن العشرين، ولا أبوح لكم سرا إن قلت اجتاحتني قشعريرة غريبة حينما شاهدت ملعب سوكر سيتي الذي أقيم فيه نهائيات كأس العالم عام 2010م، "سوكر سيتي" التحفة الرائعة التي غيرت حياة سويتو من جحيم وخزانة للألم، ومزبلة للقمامة يتسكع عليها ملايين المحرومين، إلى مدينة عالمية يصل صداها عواصم العالم وكبريات المدن يتسع 94 ألف متفرج.

كانت قصة روهليهلا أو نيلسون مانديلا كما أطلقت عليه أستاذته في الابتدائية ذات شجن ومشاعر إنسانية مؤلمة، تجعل الإنسان يستحضر المعاناة، والمطاردة التي تعرض لها هذا الشخص الملهم بسبب مواقفه الشجاعة، حيث عاش طريدا ومهاجرا عن وطنه لا يعيش مع أولاده وأسرته، بل يعيش في الزنزانات والخنادق، أو البرارى في معظم عمر الثورة.

وعندما أتأمل المحاكمات الهزلية من ريفونيا إلى السنوات الطويلة التي كان سجينا يواجه أسوأ الظروف في زنزانته الانفرادية في روبن أيسلاند، أتسآل: يا تري ماذا كان يمني النفس؟ وكيف تحمل المعاناة والتعذيب الجسدي، والإرهاق النفسي في زنزانة موحشة عنوانها التمييز العنصري والأعمال الشاقة والانتهاكات الصارخة؟

بعد سنوات من العبودية ونهب الثروات والمطاردات الشهيرة في ويست كيب، نالت الجموع في جنوب أفريقيا حريتها عام 1994م، ونالت خطبة منديلا الشهيرة استحسان الجميع، وبات معشوق الجماهير
بعد سنوات من العبودية ونهب الثروات والمطاردات الشهيرة في ويست كيب، نالت الجموع في جنوب أفريقيا حريتها عام 1994م، ونالت خطبة منديلا الشهيرة استحسان الجميع، وبات معشوق الجماهير
 

لم يكن منديلا وحده من خطط الثورة وفجر بركان الغضب القابع في سحيق المظلومين، بل أتذكر المظاهرات النسوية الكبيرة التي عمت مدن وقري جنوب أفريقيا، لقد كانت المرأة في الصفوف الأمامية للثورة تواجه القهر بابتسامة حالمة وعزيمة لا تهون، والتنكيل بمزيد من التجلد ومناصرة القضية، وأتذكر أيضا رفيق دربه وصاحبه في الكفاح وولتر سيسولو البطل الذي عرف الشعب من بريق عيونه العزيمة والوثبة الرجولية الحقيقية، وتستحضرني مواقفه الخالدة حينما عُين سفيرا يتجول في أفريقيا ليصل صوت الشعب المكبوت إلى القارة السمراء في رحلة شهيرة بدأت من سويتو إلى القاهرة، والخطر التي تعرض لها حينما علم المستعمر رقم رحلته التي كانت سرية للغاية ظلت تؤرق مضاجع رفاقة المختبئين على تلال ناتال ومحاجر خونتاين وأدغال بلاد زولو. لقد عانى الرجال في جنوب أفريقيا أبشع أنواع القهر والإذلال، وذاقوا مهانة كانت وسمة عار على جبين العالم في تلك الحقبة السوداء، وتعرضت النساء للاغتصاب الجماعي والقتل والنفي وكافة أنواع الاضطهاد والتعذيب.

تعددت مآثر الثورة وتاريخها وأبطالها الأشاوس، ومن القامات الوطنية التي لم يكتب أن يستظل تحت علم جنوب افريقيا الحرة أوليفير تامبو رغم تخليد اسمه حينما أطلق على أكبر مطار في أفريقيا "مطار أوليفير تامبو في جوهانسبيرج"، كان اليد اليمني والنائب المخلص لمنديلا، أوليفير كان صوت الشعب حينما يصاب الجميع بالذهول والخرص، وكان نجمة في سماء الوطن حينما يعم السواد والحلكة ليالي جنوب أفريقيا المتشابه المبلولة بالكآبة والضيم.

واصلت الثورة كفاحها نحو المجد والخلود، وسقط أصدقاء منديلا ورفقاء دربه كمهر للحرية والاستقلال، وتعرض الشبان لحملات القمع والإرهاب وتصفيات جسدية وإهانات بالغة، وبعد سنوات من العبودية ونهب الثروات والمطاردات الشهيرة في ويست كيب، نالت الجموع في جنوب أفريقيا حريتها عام 1994م، ونالت خطبة منديلا الشهيرة استحسان الجميع، وبات معشوق الجماهير وبني له تماثيل عملاقة في العواصم الغربية التي كان بالأمس القريب مطلوبا لدى دوائرها القضائية كمجرم هارب عن العدالة، ناهيك عن حواضر أفريقيا التي أصبح بطلها الأوحد!

إنها قصة شجن وكفاح طويل خاضها الشعب بقيادة أبطال حقيقيين ابتعدوا عن الظلم والمحاباة، ونادوا بالوحدة والتكاتف ومبادئ العدالة والمساواة ودولة القانون، لم يهدروا وقتهم بدخول متاهات الانتقام وسذاجة تشريح جثة التاريخ وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بل أسسوا دولة تحترم المواطنة وتقدس الحياة وكرسوا حياتهم من أجل هدف سامي.. الحرية من الاستعباد وقيادة الدولة نحو الازدهار والتطور في كافة المجالات مما جعل جنوب أفريقيا دولة رائدة عالميا ومحليا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.