شعار قسم مدونات

الحرّيف.. النصر في زمن الهزائم

مدونات - فيلم الحريف الصورة الرئيسية

هناك ساحر يسحب المفرش من تحتي دون أن أشعر كأنني مزهرية أو قبعة لا حياة فيها. كل الأشياء قررت التواطؤ على إهانتي، كأنني هواء يمر فوق الأشياء فلا يحركها. أجد نفسي فجأة بلا جدار أستند إليه كلّما اختلّ توازني. هذه المدينة تقتل أبناءها والطارئين عليها. ما الذي أفعله هنا؟ ولماذا لا أجد راحتي فيما كان يريحني. كم هو متعب هذا الشعور، أقصد أن تكون الخيار السيء في حياة أحدهم.. العالم حذاء كبير.. على مقاسي بالضبط.. ويدوس عليّ.

"الشوارع حواديت" ومن الشارع يبدأ محمد خان مشوار "الحرّيف".. فارس يعمل على ماكينة في مصنع أحذية. طليقته عاملة أيضاً في ورشة منسوجات، أمّا والده فصانع أقفاص. يبدو عالم فارس والمحيطين به أقرب ما يكون إلى الشارع، طبقة لا بدّ وأنها كانت تنتظر قدوم "فارس" ما لإنقاذها، فارس على استعداد للقتال من أجل خلاصها.

فرسان اليوم لا يمتطون حصاناً أبيضاً، ولا يحملون سيفاً ولا يلقون الخطب وليسوا عباقرة في خوض العلاقات العاطفية الأسطورية ولا في نسج هالة من الهيبة حول اسمهم.. الفرسان في مدن قاسية كالقاهرة يفطرون من عربة الفول ذاتها كلّ يوم، لا يتناسب أجرهم اليومي مع مسؤولياتهم، يعيشون على أسطح البنايات حيث يرون الجميع ولا يراهم إلا القليل، تاركين مسافة بينهم وبين "الشارع" لا لأنهم يكرهونه ولكن لأنهم يعلمون أنه شارع "آخره حيطة سدّ".

يترك فارس الأشياء بلا أدنى شعور بالخطر، ترك وظيفة مغرية في تجارة السيارات بلا سبب وتركته زوجته فلم يخطو تجاهها خطوة واحدة بهدف استرجاعها وإعادة المياه إلى مجاريها

رغم انسداد كلّ الدروب التي حاول "فارس" أن يسلكها في حياته، زواجه وعمله ومسيرته الكروية التي كانت واعدة في يوم من الأيام، كان هناك درب أخير على وشك أن يبلغ منتهاه. لا نعلم عن أمّ فارس سوى خبر وفاتها، يصدمنا فيه خان تماماً كما صُدم فارس ولكن صدمته جاءت متأخرة إذ عرف بالفاجعة بعد أسبوع من دفن والدته.. هكذا هي الأخبار الهامة في حياته تشبه حظّه المتعثر على الدوام.. مشترِكٌ دائم في أيّ سباق ولكنه لم يصل أبداً إلّا متأخرا.. تأخير اعتيادي ومُرعب في الآن ذاته.. أن تكون متأخرا عن كلّ شيء حتّى عن وداع أمّك.

في اللحظة التي سمع فارس فيها هذا الخبر، كانت حياته في منحى خطير بالفعل، مواطن مطحون ينهار العالم من حوله فيما يحاول الحفاظ على مقرّه فوق سطح إحدى البنايات آمنا إلى حدّ ما. يقرر المخرج محمد خان في هذه اللحظة أن يضع بطله فارس في كادر غريب منافي لطبيعة الحالة. يقف فارس على طرف البناية العالية ومن ورائه لوحة إعلانات ضخمة فيما تراقبه عين خان من زاوية سفلية يبدو فيها ذو هيبة وسيطرة على زمام الأمور وهو ما ندرك أنه محض خداع.

لا تهرب دمعة واحدة من عينيه بل يكتفي بالوقوف أمام هذه المدينة الممتدة أمامه والممتلئة بهموم أكبر منه. تنطفئ الإضاءة من اللوحة تدريجياً، من اليسار إلى اليمين، تماماً كما تنطفئ الحياة في قلبه بهذه الوتيرة المتسارعة. ضئيل أنت يا فارس، أمام مدينة تكبرك ملايين المرات وتحت لوحة تبدو إلى جوارها تافهاً لا قيمة لك، لا أحد يهتم بانسحاب النفس منك ولا أحد يراك لأن نور لوحة الاعلانات تلك أكثر وهجاً منك.. أنت في الظل يا فارس. أنت مُعتمٌ.

     

التعامل مع العالم بكعب الحذاء

ما يميز فارس هو غرابة استقباله الميت للأشياء. عند طرده من وظيفته في المصنع تلحقه زميلته المعجبة به للغاية فتقول له "إنت رفست الوظيفة برجليك زي أي حاجة تانية؟"، الغريب في هذا الاتهام أنه باطل، لأننا نعلم أنه لم يرفس شيئاً، بل الوظيفة هي التي "رفسته" من تلقاء نفسها. إلا إن اعتبرنا أن استسلامه لهذه النتيجة دون أدنى محاولة جادة للقتال من أجل تغييرها هو "رفس" للوظيفة بصورة ما. عندما سُئل فارس عن سبب تخلّي نادي الترسانة عنه يجيب "أنا اللي سبتهم مش هما اللي سابوني"، كأيّ شيء آخر، يترك فارس الأشياء بلا أدنى شعور بالخطر، ترك وظيفة مغرية في تجارة السيارات بلا سبب وتركته زوجته فلم يخطو تجاهها خطوة واحدة بهدف استرجاعها وإعادة المياه إلى مجاريها. يحبها ولكنه أيضاً قادر على التخلي عنها وعندما يحاول سماع نصائح الاخرين حولها، يحاول تطبيقها ولكنه لا يستطيع الاستمرار في الحديث أكثر من دقيقتين قبل أن يتملكه الغضب مجدداً.

لست مجرد ضيف في هذا العالم

رغم سيطرة روح التخلّي على فارس ولكنه يثبت من خلال أسلوب معيشته وبعض المواقف أنه يستمر بوضع نفسه في موقع المسؤول أو الشخص الذي ينتظر منه الآخرين أن يقوم هو بمساعدتهم. يتعدى الأمر مجرد خدمات إنسانية إلى إيمانه بأن ما يصنعه هو التزام منه تجاه الآخرين. فارس اسمٌ على مُسمّى رغم أنه الأكثر احتياجاً لوجود "فارسٍ" في حياته.

 

يُنقذ عائلة جاره الذين أخذهم الأخير رهائن وهدد بقتلهم عشرات المرات حاملاً سكينه. يستقبل أحد أقاربه الذي جاء للبحث عن عمل في القاهرة. يحاول أن يتصرّف كقدوة امام ولده. يخرج من مركز الشرطة بعد تحقيق معه ومع "عبد الله" ليدفع سيارة أحد الغرباء على الطريق. فارس موجود من أجل الجميع ولكن لا أحد هناك من أجله.

   undefined

غير مستعد لخوض أي معركة تخصه ولكنه يخوض معاركاً من أجل الآخرين، إنها الفروسية في زمن الأزمات والهزيمة الفردية. إن المرّة الوحيدة التي نرى فيها فارساً مستعدٌ لأن يخوض معركة حقيقية من أجل ذاته تتجلى عندما يتبادر إلى مسامعه أن "حريفاً" جديداً في مباريات كرة الشارع التي كان ملكاً فيها، قد جاء لأخذ مكانه. وان زمن الحريف القديم قد انتهى وحلّ مكانه حرّيف جديد قادم لسرقة كل شيء وآخر ما تبقى من بطولة فارس أمام ابنه. يقرر فارس حدود معركته بجملة واحدة "أنا هلعب مع الخسران". والحقيقة أن رهانه على نفسه هذا هو أخطر رهان في حياته. فبعد انهيار كل شيء ونهاية كل طرقه المسبقة بسد منيع كان من الممكن أن يخسر أيضاً لقب "الحريف" وتنتهي أسطورته للأبد. لكن ما الذي قد يخسره رجل خسر كلّ شيء بالفعل؟

رهان الحرّيف على "الخسران" هو رهان على كل ما سبق وكل ما قد يأتي- فوزه في المباراة يعني هزيمة "رزق" الذي راهن على انتهاء أسطورة فارس كحرّيف، وهو في الوقت ذاته انتصار أخير يحققه فارس لذاته. انتصار أخير في زمن الهزائم. قرار شخصي جداّ يعلنه فارس بأن كل الأنوار التي كانت تنطفئ تدريجياً لا بدّ وأن تعود للإنارة من جديد، هكذا هي اللوحات وهذه أبسط مبادئ عملها.

إن السعي لأيّ نصر في زمن الهزائم هذا كان الدافع الوحيد لفارس للتصرف بالكيفية التي رأيناه عليها عندما علم بخبر وفاة أمّه… يبدو أنّ آخر ما يفكر فيه المرء عند وفاة والدته هو أن يمارس الجنس مع جارته التي رفض إغوائها مراراً فيما سبق، ولكن فارس على العكس من ذلك، يقبل هذه المرة دعوتها دون تفكير طويل "أنا أمي ماتت"، يقول لها لتدخل غرفتها وتترك الباب مفتوحاً، يتبعها فارس ويغلق الباب من خلفه.

يبقى خان مع كاميرته خارج الغرفة. من المرات النادرة في الفيلم التي يترك فيها خان بطله ليتصرف بعيداً عن عدسة الكاميرا والسبب ربما هو حدوث ما يسهل توقعه ومعرفة نتائجه، فعل قد يؤدي إلى ندم من نوع ما فيما بعد لدى فارس. أمر يبدو مُخجلاً. فلماذا يفعله؟ لربما كان كل ما أراده فارس في أشد لحظات انهزامه تلك، أن يحقق أي نوعٍ من النصر حتى ولو كان نصراً على السرير، مع امرأة غريبة. أن يثبت "رجولته" أمام عالمٍ قاس بدأ باصطياد أقرب الناس إليه.. أن يحقق نصراً خاصاً جداً في زمن الهزائم هذا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.