شعار قسم مدونات

عندما أصبحت أماً مع سابق إصرار وتصميم!

blogs الأمومة

على الأرجح أنك عندما قدمت إلى الدنيا لم تحظ بفرصة الحرية في اختيار جنسك ولا حتى بنسبة واحد في المليون من أمثالك حظوا أو سيحظون بهذا الخيار. نأتي إلى هذا العالم بقدر إلهي وتضافر كروموزومات مذكرة أو مؤنثة تقرر جنسنا أي (ذكراً أو أنثى) ثم لا نملك من الأمر شيء بعد هذا أن نغيره أو نحوره طيلة فترة حياتنا الأرضية.

 

أذكر أني تمنيت أن أكون ذكرا كأخي عندما كنت طفلة لا لسبب أذكره تماما إلا أنه ربما فضول الفتيات لا أكثر. المهم أني كبرت كمثيلاتي أكثر وتصالحت مع كوني أنثى استمتع بدوري إلى أن بدأت لعبة الهرمونات وتحكمت في جسدي بل بمزاجي أيضا ومظهري الخارجي. مر الأمر بسلام.. غالبا كمثيلاتي أيضا واستتب الأمن بداخلي واستقرت الهرمونات آخذة وضعها ومستمرة في العمل، لكني هذه المرة نضجت أكثر فأكثر وتنامى في داخلي شعور جديد ورغبة أنثوية عارمة. كانت أشبه ما تكون برغبات اللعب الطفولية الأولى عندما كنت اهتم بلعبتي (بنيتي الصغيرة) أغني لها وأهدهد أغاني أمي حتى تنام. أسرح لها شعرها الأشعث وأهتم بغذائها وصحتها جيدا وإن مرضت لا أبخل عليها بحقن الطبيب المخيفة لي مدعية أمامها القوة والجسارة.. لقد اهتمت بها أيما اهتمام!

تعود اليوم تدغدغني تلك الأحلام الطفولية الغابرة بأن أكون أماً! نعم أماً حقيقية تحمل في أحشائها طفلا ينمو بداخلها ثم يخرج أمامها تراه عيناي لأول مرة.. يا إلهي كم ألف مرة فكرت في شكله كيف سيبدو يشبهني وكأنه أنا في لحظة مولدي التي لم أشهدها ولم يكن لي الخيار وقتئذ أن أختار جنسي أو لربما سيشبه والده من يدري؟ حتى تلك اللحظة لم أكن قد قابلت والد طفلي أعني زوجي المستقبلي الذي لم أخطط لشكله يوما ولم أكن آبه كي أمتلك أدنى فكرة عن ملامحه.

اكتشفت أن الأمومة في البداية سواء نجمت عن اختيار أم لا فهي فطرة وغريزة غرسها الله في قلوبنا نحن الإناث لكن إن توقفت عند هذا الحد حدثت الكارثة!
اكتشفت أن الأمومة في البداية سواء نجمت عن اختيار أم لا فهي فطرة وغريزة غرسها الله في قلوبنا نحن الإناث لكن إن توقفت عند هذا الحد حدثت الكارثة!
 

حملت بطفلي حقاً.. للمرة الثالثة لم أمتلك حرية الخيار.. عندما تزوجت والده كانت المرة الثانية التي كنت لا أدري إن كنت قد اخترته حقا أم أنه القدر يعاود الكرة.. قد نختار وقد لا نختار شريك الحياة.. لكني تأكدت لاحقا بعد الانفصال أننا نمتلك إرادة الاختيار وليس عدمه! تراني هل كنت في كل مرة أولد بها من جديد ضحية قدر لا خيار؟ وجاء طفلي إلى عالمنا بل إلى عالمي! عالمي المثالي الذي لم يعد كذلك.. جاء هذا الكائن الصغير بقدرات جبارة تقلب موازين حياتك وتشقلب كيانك وروتينك وتحبط مخططاتك وتمنع أحلامك عن حيز التنفيذ ليقول لك بكل وضوح: مرحبا لقد أتيت.

ستكون حياتك من الآن فصاعدا تدور حول فلكي.. تلبي رغباتي وتشبعني طعاما وحبا واحتواء.. لقد كانت هذه ولادتي حقا .. أعني ولادة نفسي من جديد.. لطالما قلت بعد مضي سبع سنوات على مجيئ طفلي الأمومة كيان مكتمل الأركان، وليست دورًا جديدًا يضاف لأدوار الفتاة السابقة، ستجد معه الألم والفرح والرحمة ونكران الذات والمسئولية عن نفس بشرية تحمل عقلًا وروحًا. أدركت أن صحتي النفسية والبدنية مهمة لأجلي ولأجل طفلي الذي هو امتداد لي، ومغزى أن أكون أنا نافذة يطل منها طفلي على العالم، ولأجله يجب أن أحيا بسعادة واتزان، وهذا ما قد كان.

قررت بعد مجيء طفلي، أن أدرس مجددًا وأراجع قناعاتي وأبحث لأكتشف مدى جهلي بأشياء كثيرة، اكتشفت أن الأمومة في البداية سواء نجمت عن اختيار أم لا فهي فطرة وغريزة غرسها الله في قلوبنا نحن الإناث لكن إن توقفت عند هذا الحد حدثت الكارثة! فالإنسان يختلف عن باقي المخلوقات بتحكم عقله بمناحي حياته والأمومة يجب أن تكون كذلك فعل بشري واعٍ يحتاج إلى التأهيل والتثقيف حتى يكون ناجمًا عن وعي وإدراك وليس عن تقليد وتكرار. ربما لم نختر جنسنا نحن الإناث ولربما لم نختر شريك الحياة بشكل أو بآخر لكننا عندما أصبحنا أمهات امتلكنا الخيار.. خياراً أن نكون أمهات واعيات.. ليست الشجاعة أن تكوني أماً وتقومي بفعل غريزي تكرره الإناث عبر العصور.. الشجاعة أن تختاري أن تكوني أماً عن سبق وتعمد وإصرار!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.