شعار قسم مدونات

أرواح كارتونية.. من الذي يبثّ فينا السحر ثم يخبو؟

مدونات - كرتون بينوكيو

أهو الحنين إلى الماضي؟ ذاك الذي يمسك بتلابيبي من وقت لآخر، فيرمي بي إلى عوالم الطفولة الساحر، أم هو جمال تلك الساعات المدهِشة التي كنت أحياها خارج رِبقة الزمن، مشدودة الى الشاشة الصغيرة مع عالم أفلام الكارتون، هذا العالم الذي كان يعيد ترتيب ورسم ملامحنا، بخطوط وأشكال وألوان لا تخطر في بال، بعضها كان ينتزع الضحكة من شفاهنا، أو يبعثرنا بين خوف وانتظار وأمل.

   

لطالما حلمت برفقة تلك الشخصيات التي أراها مفعمة بالروح إثر انتهاء كلّ حلقة، ربما لأنها تكشف عن التفاصيل التي وددت أن أعيشها، لكنني لا أعثر عليها إلا في منامي وأحلامي. أركض مثلا بسرعة الريح مع عدنان وعبسي إلى سارية سفينة (علّام) الحربية، وأشاركهما وهما يتدليان على الحافة بحركات بهلوانية تقطع الأنفاس، وصراخ السيد نامق وجنونه آمرا إياهم بالنزول، يجريان ويقفزان، ثم أقفز معهما قفزة واحدة ونهبط على رؤوس أصابعنا. تسكنني هذه الرغبة العارمة، بأنّ أقفز من الأماكن العالية، دون أن يصيبني أذى، عالم جميل يؤجّج القدرة في أعماقي على التحدّي، أمام عجزي في الواقع.

   

تمنيت أن تكون هذه الشخصيات الكرتونية حقيقية، تعيش بيننا، تزاحمنا حياتنا، ولكن يبدو أنّها تهويمات ليس إلا.. تلك التي لا تصلح إلا للخواطر!

شخصية نيلز الذي يطير في السماء عاليا على ظهر الإوزة مورتو، كم أثارت رغبتي في التحليق عاليا، مع كائنات لطيفة، وتحوّل مبتغاي إلى أشكال مصورة أحياها أمامي. هل تراني؟ كنت أغافل الزمن وأخدعه لأصبح جزءا من ذاك العالم، لكنني أرى نفسي وسط أفق أصمّ، أفق خاوٍ، كمن يخربش اللاشيء بأظافره، أو كمن يطير بأجنحة من حلم.

   

مثلا، المارد الذي يعيش داخل المصباح السحريّ بين أمانٍ محقّقة، أراه ينهض من حطام أمانيّ، ليعيد إليّ قدرتي على الأمل والحلم من جديد، كأن أقوم بمسح المصباح السحري، وأطلب من المارد ربيعا، نتبادل فيها نحن البشر أزهار الحبق والياسمين، ربيعا لا خارطة ولا بوصلة فيه، ولا حتى جغرافية مرسومة، أو أطلب إليه ذاكرة هادئة كوجه جدول، على شكل شريط صور تداعبني بنعومة كالنسيم، بعيدا عن الفقد والحنين، عن الاغتراب الذي يتآكل فيّ.

   

عند انتهاء حلقة مسلسل ما أرى نفسي، بين صدى جمل وكلمات عشتها للحظات، أشكال ملونة تتبادل أماكنها في ذهني دون أن أنال منها شيئا. تمنيت أن تكون هذه الشخصيات الكرتونية حقيقية، تعيش بيننا، تزاحمنا حياتنا، ولكن يبدو أنّها تهويمات ليس إلا.. تلك التي لا تصلح إلا للخواطر! قد يكون العالم الكارتوني بقايا رغباتنا المستحيلة والخائفة، التي صرفنا النظر عنها، أرى الرسومات إعادة رسم لواقعنا على شكل شخصيات تشبهنا كثيرا، وحين تخرج إلينا تصطدم بعالمنا الحقيقي ثم تدخل صندوق التلفزيون وتختفي.

   

مثلا، شخصية بينوكيو حين يكذب يطول أنفه، ويزداد طولا كلما بالغ في كذبه. أتخيل الناس الذين يكثرون من الكذب في هذا العالم، أتخيل أنوفهم الطويلة التي تتشابك فيما بينها، لتخفي الوجوه والشوارع والحدائق، لتشقّ عنان السماء، لتصل وتتشابك في العلى، لكن ماذا عن الذين لا يكذبون، وتبقى أنوفهم على حالها؟! هل سيتقفّون آثار بعضهم، كمن يتحسّس ظلّه في العتمة؟

    

في مسلسل هايدي وقرية التوت، الناس سعداء في كلّ الأوقات، والطبيعة ذات الألوان الزاهية تترك أثرا نضرا في رؤياي ونفسي
في مسلسل هايدي وقرية التوت، الناس سعداء في كلّ الأوقات، والطبيعة ذات الألوان الزاهية تترك أثرا نضرا في رؤياي ونفسي
  

صديق سنان الذي بكى وملأ بيتهم وقريتهم دموعا دون أن يتوقف، فأصبح الناس يسيرون في القرية بالقوارب، حتى لا يغرقوا في دموعه. ماذا لو كان شكل الحزن والبكاء في الأفلام الكارتونية، كالذي في عالمنا الحقيقي، إذا ما قسناه مع الألم والحروب التي نحياها؟ هل ستتحول الكرة الأرضية إلى كتلة من الدموع تزخرفها وتلونها ملامحنا وأشكالنا؟ أتمنى أن أخترق ذلك العالم الهادئ عبر شاشة التلفزيون، وأحيا لحظاتهم بتفاصيلها الرقيقة حتى لو كانت حزينة، أحيانا أتخيّل تلك الشخصيات الكارتونية حقيقية تعيش بيننا لتحقّق رغباتنا الخائفة والمستحيلة. 

  

مثلاً انتصار دايسكي الخيّر في مسلسل مغامرات غراندايزر على الشرير فيكافيكا الذي يحكم كوكب الشرّ، يولّد طمأنينة في ذاتي، فوز غراندايزر الدائم على فيكافيكا الذي يهاجم كوكب الأرض عن طريق إرسال مخلوقات مخيفة وقاتِلة، يحملني إلى أفق ناعم وملاذ آمن لخوفي من الآتي، والإحساس بالطمأنينة والراحة مهما كان فيكافيكا وأتباعه أشرار. 

   

في مسلسل هايدي وقرية التوت، الناس سعداء في كلّ الأوقات، يتبادلون الأحاديث والوشوشات مبتسمين وضاحكين، الطبيعة ذات الألوان الزاهية تترك أثرا نضرا في رؤياي ونفسي، سرور يجعلني أشعر بغبطة وكأنهم أناس حقيقيون بلحم ودم، أعيش ابتساماتهم الأبدية في لحظة. هل هذا العالم المتحرّك حقا هزم الحياة، حين مثّل السعادة بأناس وأرواح واضحة ومرئية؟ هل السعادة في عالمنا الحقيقي أبسط وأسهل من حقيقتها، كما هي كذلك في العالم الكارتوني؟

ألم نعثر عليها بعد؟..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.