شعار قسم مدونات

الثامن من مايو.. عندما لطخت فرنسا تاريخها بدماء الجزائريين

مدونات - مجازر 8 ماي 1945

يقول الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله معقّبا على مجازر الثامن مايو "يا يوم… لك في نفوسنا السِّمة التي لا تمحى، ‏والذكرى التي لا تُنسى، فكن من أي سنة شئت فأنت يوم 8 مايو وكفى، وكل ما لك علينا من دين أن نحيي ذكراك، وكل ما ‏علينا من واجب أن ندون تاريخك في الطروس لئلا يمسحه النسيان من النفوس"‎‎‏.‏ يقف التاريخ اليوم ليفتح لنا نافذة على محطات أليمة تأبى الذاكرة أن تنساها، يوم لم يكن عدٌّه ساعات بل أرقاما لشهداء ‏ضاقت بهم الحنايا، صباح الوطن المفجوع والحق المغدور، يوم فاضت فيه دماء زاكيات طاهرات من شعب مسالم أعزل ‏خرج يحتفل بنصر لم يكتمل، موعودا بحرية وكذبة مزخرفة أن الاحتلال لا يٌهدِي جنّة دُونَ مُقابل، وجبال شاهقات استقبلت ‏الأَحْيَاءَ قوافلا فكان قعرها لهم مدفنا، سطيف، قالمة، خراطة مدن فاحت بعبق الشهادة صبيحة الثامن مايو خمس وأربعين. آلاف من أبناء هذا الوطن الأغر كانوا ضحية الإبادة الجماعية والحرق والتعذيب من قبل الاحتلال الفرنسي، نساء رمِّلت ‏وأطفال يتّمت وعائلات شرّدت والكثيرون ممن تعجز عن وصف معاناتهم بضعة سطور.‏

 

ما الذي دفع فرنسا لارتكاب مجاز الثامن مايو خمس وأربعين؟

‏1) نشاط الحركة الوطنية الآخذة بالتوسع‏
وسط هستيريا الذعر والخوف التي كان يصارعها الاحتلال الفرنسي من ناحية الحركة الوطنية التي ضمت بعض أبناء الشعب ‏الجزائري وأخذت تنتشر شيئا فشيئا ممثلة بأحباب البيان والحرية هذا التنظيم الذي بدأ ينشط منذ جانفي 1945 ويدعو أبناء الشعب ‏الجزائري للالتفاف أكثر حول مطالب البيان: من "إلغاء لنظام البلديات المختلطة" وجعل "اللغة العربية لغة رسمية"، و"المطالبة ‏بإطلاق سراح مصالي الحاج" آنذاك.‏

 
‏2) الوعد الكاذب
كان من بين الأسباب التي جعلت الاحتلال الفرنسي يقدم على مجازر الثامن مايو خمس وأربعين دون رجعة هو وعيها التام ‏بمطالبة الشعب الجزائري لحريته، كيف لا وهي التي جعلت من أبنائه دروعا بشرية واقية في الحرب العالمية الثانية بعد أن كانت ‏قد واعدتهم قبلا بمنحهم الاستقلال التام مقابل مشاركتهم معها في حربها ضد الألمان.‏

‏3) احتفالات نهاية الحرب العالمية وخروج المظاهرات السلمية
نتيجة انتصار الحلفاء على النازية ووقوفا عند وعد فرنسي كاذب، عمت الاحتفالات معظم ربوع الوطن الجزائري بداية من 1 ‏مايو 1945 وبتحضير من الحركة الوطنية ووعي الشعب بمطالبه ورغبته في الاستقلال، خرجت مظاهرات سلمية تستنكر ‏الاضطهاد والمعاناة لتقابل بالرفض وتوصف بالعنف بعد مقتل شرطيان كذريعة اتخذها الاحتلال الفرنسي ليشهر السلاح ضد ‏شعب أعزل ذنبه أنه تمنى الحرية وجريمته أنه رفع العلم الوطني يرسم به حلم الوطن الحر المنشود، ليستفيق على وقع المجازر.‏

  

  
4) مدينة الهضاب العليا وموعد الشهادة 8مايو 1945
خرج الجزائريون يحتفلون يوم الثامن مايو خمس وأربعين بانتصار الديمقراطية على الديكتاتورية بكل فرح وكانت مدينة سطيف ‏من بين المدن التي شهدت أكبر التجمعات كونها تحوي مقر أحباب البيان والحرية ونادى أبناؤها بحرية الجزائر واستقلالها ‏ليتقدمهم شاب في مقتبل العمر سعال بوزيد، صاحب 22 سنة حاملا العلم الوطني ليكون أول شهيد يسقط في ساحاتها وتفيض ‏روحه للسماء معلنة بداية يوم دموي رفع الحُجب عن نية الاحتلال الفرنسي الذي راح يرتكب المجازر بكل همجية دون رحمة أو ‏شفقة.‏
 

فهل مجازر الثامن مايو خمس وأربعين تحصى بالعدد؟

ويصف فرحات عباس رحمه الله في كتابه ليل الاستعمار بداية المجازر قائلا‎‏: شهدت سطيف مسيرة مماثلة سار فيها نحو ‏‏4 آلاف فلاح. مثل هذه التظاهرات كانت إنذارا جديا بأن الجو مشحون بالإعصار، غير أن المسؤولين على الأمن العام لم ‏يولوا أدنى اعتبار لذلك‎.‎ المهم أن السلطات رخصت بتظاهرة أهم في 8 مايو، وهكذا كانت المصيدة. لقد تشكل الموكب انطلاقا من محطة القطار قرب ‏المسجد الجديد ليتجه نحو المدينة‎. ‎كانت الشرطة تحيط بالمسيرة التي تقدمت حوالي ألف متر رافعة العلم الجزائري، لكن ‏بمجرد أن وصلت قبالة مقهى فرنسا الكبير وسط المدينة، داهم محافظ شرطة الصف الأمامي وحاول افتكاك العلم من أحد ‏المتظاهرين. لكن المناضل قاومه، فأطلق الشرطي النار، متسببا في سقوط قتيل وعدد من الجرحى‎.. ‎وهكذا اندلعت الانتفاضة راح الاحتلال الفرنسي يمارس القمع وسياسة التقتيل الجماعي والزج بأبناء الوطن الجزائري من أعالي الجبال ووأدهم ‏أحياء صغارا وكبار واعتقال السياسيين منهم وقتلهم بأبشع الطرق، مجازر لا تمد للإنسانية بصلة راح ضحيتها أزيد من ‏‏45000 شهيدا، قرى دمرت وأشلاء لم تحوها القبور، استنفرت لأجلها فرنسا كامل قواتها البرية والبحرية والجوية لتجعله ‏يوما داميا ضد شعب أعزل مؤمن بقضيته.
   
تمر الذكرى 73 للمجازر 8 مايو 1945 وتأبى الذاكرة النسيان وتقف مؤكدة قول الإمام البشير الإبراهيمي "لو أن تاريخ فرنسا‎ ‎كتب بأقلام من نور ثم كتب في آخره هذا الفصل المخزي بعنوان مذابح سطيف‎ ‎وڤالمة وخراطة لطمس هذا الفصل ذلك ‏التاريخ كله". يبقى الحداد مقيما في النفوس كلما مرت بنا الذكرى أو حملتنا الخطوات لمسقط رأس الشهيد سعال بوزيد تستوقفك لافتة دونت ‏المجازر لتفتح باب الذاكرة على يوم يقوم فيه الوطن لينحني إجلالاً لأرواح أبطاله، وتغيب الشمس خجلاً من تلك الشموس، ‏ويرفرف العلم شامخا:

 
‏ "يا ثامن اليوم من مايو أعدت لنا … ذكرى مروعة بها دمعي غدق"
"تاللّه قد كنت مثل الريح عاصفة… أو مثل صاعقة في صوتها صَلَق"

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.