شعار قسم مدونات

طفولة السبعين.. كيف نفهم الحلقة الأخيرة من الحياة؟

مدونات - رجل عجوز

"أريتِ أحلام الطفولة تختفي خلف النجوم؟
أم أبصرت عيناكِ أشباح الكهولة في الغيوم؟
أم خفتِ أن يأتي الدجى الجاني ولا تأتي النجوم؟"

 

كان هذا إيليا أبو ماضي، مُسائلاً حزن سلمى وحيرتها، وأنا هنا أسائل نفسي، من هذه المصادفة اللطيفة التي أوقفتني الآن بين طفلٍ في العاشرة منهمك بحل لعبة ألغاز بين يديه وكهلٍ يقارب السبعين من عمره ساخراً متهكماً على كل شيء في إحدى محطات انتظار الباص العمومي، وكأننا في دورة الحياة ننتظر! فما أنا الشباب بينهما؟

 
سأبدأ من يميني، في المرحلة الأولى، الطفل المنهمك بأحلامه الصغيرة كدُمية، السعيد -في الأغلب- الذي لا يعرف من الشيء إلا قليله، والذي كُشفت له سطحية الأمور وتُركت تفاصيلها وماهيتها الحقيقية غامضةً مبهمة، يحتاج بالتأكيد لرعاية واهتمام ووصاية وتوجيه صحيح، ويتأثر بشكل كبير بما يحيط حوله من أفكار، وجلّ ما يمر به هي عوامل نفسية ترسخ في ذهنه وتشكل شخصيته وتُكون لديه رد فعل داخلي مستقبلي حتى وإن كان لا يفهمها.

 

يقول دوستويفسكي في روايته "المراهق": إنني أفهم طبيعة الشباب في هذا الزمان.. نعم، إن أدمغتنا قد شاخت حتى قبل أن تنضج

في المرحلة الثانية، تجد الشباب "الواقف"، المتفهّم أكثر والتائه أكثر وقد كُشفت له الحقائق وطويت الصحف الطفولية، وقد تكون لديه عقلٌ خاص يعتمد جداً على المرحلة الأولى في تكوينه، مع بعض العوامل الدخيلة نتيجة انخراطه أكثر مع المجتمع، ويحتاج لاهتمام يختلف عن الاهتمام الأول، ومبني على اختلاف احتياجاته، غالباً ما يكون مفعماً بالآمال والأماني، وطاقته هائلة لأن جسمه أقوى. هذه المرحلة التي يجب أن يعوّل عليها المجتمع ويسعى لسلامة التدرج فيها.

وفي المرحلة الثالثة، والتي تمثل آخر حلقة في الحياة، وآخر مراحل نمو الإنسان، تجد الرجل السبعيني الساخر، ضعيف القوام، هزيل البنية، في تهكمه وسخريته نوعٌ من اللامبالاة التي يصير إليها أقرانه، أمراضه الجسدية وضعف كاهله، كانا كفيلين بإقعاده، بالإضافة إلى ما يمر به من عدم توازن نفسي نتيجة تلف بعض النواقل العصبية في الدماغ وضمورها، فتجده يعاني بالإضافة إلى هزاله من التصلب الذهاني وعدم التكيف مع مستجدات الحياة والحساسية المفرطة واسترجاع الماضي وحب الذات بشكل كبير وتقلص القدرة على الإدراك، وكأن طفل العاشرة عاد في طفل السبعين أو ما يسمى بـ "طفولة الشيخوخة".

إن دورة هذه المراحل الثلاث تُشابه مفهوم هيجل الجدلي "الديالكتيكي" في النفي؛ فالشباب نفى الطفولة، والشيخوخة نفت الشباب بدورها، ونفي النفي إثبات. ولكن هل من الممكن أن يتوه الإنسان بين مرحلة وأخرى؟ نعم، ففي الشكل النفسي والسلوكي الظاهر، قد يتعرض الإنسان إلى ضغوطات نفسية تؤدي إلى أمراض صعبة أو اكتئاب، هناك مثلاً ما يعرف بـ "مراهقة الشيخوخة"، ما يحدث عند الرجال والنساء على حد سواء وغالباً ما تكون بعد الخمسين، وتأتي ضمن مرحلة الندم على مرحلة الشباب وقد تؤدي إلى سلوكيات غير ملائمة أو متكافئة أحياناً.

 

undefined

 

ومع أنني لا أجده مرضاً حقيقياً بالمقارنة مع المثال الآخر المتمثل بـ "الدجى الجاني بدون نجوم" وما يسمى "كهولة الشباب" والتي يأتي توقيتها مع توقيت الأوضاع المتدهورة في البيئة المحيطة بهم ؛ وخاصة الشباب تحت ظل المجتمعات العربية! فالشباب العربي يجاهد لكي يبصر النور وقد لا يبصره في ظل ما يشهده المجتمع من أزمات ثقافية وأخلاقية ودينية واقتصادية وظلمات وحروب ونزاع وبطالة وكبت وتقييد، فتراه وقد أنهكه ما حوله بلا هدف، واستُبدل الخمول المؤلم بطاقته الشبابية الكامنة، والثمرة الناضجة فيه غُضَّ الطرف عنها، فنُسيت ما بين زراعتها وتعفنها لتموت مع الزمن، وكأنه كهلٌ عشريني، لا نظرة له في الحياة ولا طموح ولا عملٌ دؤوب!

 

يقول دوستويفسكي في روايته "المراهق": إنني أفهم طبيعة الشباب في هذا الزمان.. نعم، إن أدمغتنا قد شاخت حتى قبل أن تنضج". وشيخوخة دماغك الفتي مرضٌ، بل أقسى الأمراض النفسية وأخطرها، والهشاشة الداخلية وضعف الإيمان في النفس تُمهد الدرب لكل ما ذُكر من أسباب أن يتوّغل فيك ويحفزها!

 
إن كل مرحلة من هذه المراحل الثلاث، درجة في سلم الأخرى، والإنسان الطبيعي يحظى بطفولة هادئة مُسالمة لتكوّن أرضية صلبة لشبابه وراحةً لكهولته، فشباب اليوم لم تكن طفولته مجيدة، لذلك تراه خاضعاً ومنهزما بلا حراك.. ولكن مهلا، هل هذه هي النهاية؟ حتماً لا، ما دُمت تُقاتل هزيمتك، وتقوّي إيمانك، وتبث فيك الأمل، أنت بطلك، فلا تركن نفسك للكِبر قبل أوأنها، أعكس اتجاه الحلقة بشكل إيجابي على أن تسحبك مسرعة! أنت بطلك فالعالم مشغول عنك بالحروب. ولتتأمل نفسك، عن يمينك وعن يسارك، لا الطفل يفهم ما يدور، ولا الكهل قادرٌ على تغيير ما يدور؛ أما أنت أيها الشاب فرأس الهرم، ورصاقة البندقية، وربّان المركب، فعلّم أولادك عن يمينك أن أحلام الطفولة لا تموت وأن أشباح الكهولة لو حاصرتك، لن تهزمك ما دمت من داخلك فتيّاً، فما بين طفل العاشرة وطفل السبعين، روحٌ جعلها الله خليفة وكلّفها للوصول.

 
قل عن يمينك: أيّ بني: ولتملأ الأحلام نفسك في الكهولة والصّبا،
وربّت على كتف يسارك الكهل وأكمل مسيرته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.