شعار قسم مدونات

السيسي.. فن صناعة الغضب!

blogs اعتقال

في إحدى ليالي مدينة أسوان الدافئة عام 2016، كان بطل قصتنا جالساً مع أصدقائه في إحدى المقاهي الشعبية المجاورة لشاطئ النيل، يقضون أوقات فراغهم الطويلة في مشاهدة مباريات كره قدم أو ممارسة هوايتهم المفضلة في لعب "البلايستيشن". حين جائه اتصال من مركز الدعاية الذي يعمل معه كمصمم للفيديوهات الدعائية، ترك أصدقائه بعد إلحاح من صاحب العمل، فبدا الأمر وكأنما هنالك مشكلة كبيرة أو صفقة في ذات الحجم! ودّع أصدقائه إلا أنه لم يكن أنهى حديثاً قد بدأه، فأقترح إنهاءه على الهاتف، كان الحديث عن مشروع صغير يجمع بين رفقاء القهوة، محاولين استغلال وقتهم المهدر في عمل يجلب المال. لم يستغرق الحديث أكثر من عشرة دقائق، هو الوقت الذي استغرقه في الوصول للمكتب، وفي لحظة بدا في الصراخ.

 

في ذلك الوقت كنت أقضي فترة تجنيدي بالجيش، محاولاً قتل الوقت بالتفكير تارة، وبقراءة إحدى كتبي المهربة تارة أخرى، إلا أن كل محاولاتي بائت بالفشل، فلم تخفف من ضجري المستمر. أظن أن أهم شيء تعلمته من تلك الفترة كانت التأقلم، والاعتياد على المشاكل والتعامل معها، والتيقن أن تلك التجربة ليست أسوأ جزء من تجربة أكبر وأطول تسمى الحياة. اعتدت على تلك الحياة مع مرور الأيام، لكن الشيء الذي لم اعتاده كان إلقاء القبض على أحد أصدقائي المقربين! 

 

جاءني اتصال شق رتم تلك الحياة الرتيبة بلا رجعة، حين طلب مني صديقي أن ابتعد عن أي شخص حتى لا يستمع لنا، ربما كان يدرك أن تلك الحياة الخالية من أي تجديد، قد تجعل من أحداث مثيرة كالتي سيقصها لاحقاً محور للثرثرة التي لا تنفذ. أخبرته ممازحًا أن الشمس والجبال هنا لا يمكن الابتعاد عنها، لكنه كان صارماً في طلبه، فأخبرته أن أقرب كائن حي يبعد أكثر من خمسة كيلو متر في البرج المجاور، وبدون مقدمات قال لي أن صديقنا قد اعتقل!

 

الجميع يظن أن تحرك الجيش في 30 يونيو أضر بمستقبل البلاد، ولكن الحقيقة أن ضرره على حياتنا البسيطة كان أكبر، فلا شيء يضاهي انهيار كل شيء بنيته أمام نظرك

لم استوعب في بادئ الأمر، حتى اعتقدت أنها مزحة سيئة، إلا إن صوته لم يكن يدل سوى على شخص تملك منه الخوف. بدأ يقص ما وقع من الأمر، واستمعت له في صمت، اختلط كل شيء لدي في تلك اللحظة، فكنت أنصت ولكني في الحقيقة شارد، لكن لا أدرى ما جعلني استفيق من تلك الصدمة، فحين أخبرني انه كان أخر شخص تحدث معه، وانه يترقب في أي لحظة اعتقاله، تسرب الخوف إلى قلبي، وأغلقت الخط في وجهه، ثم عاودت الاتصال به على هاتف أخر، فقلت له إن كان شخص مثل صديقنا اعتقل، فما نتوقع منهم خصوصاً إذ كنا صحفيين!

 

دعني أخذك معي في جولة داخل تلك "الشلة" حتى تراها بصوره لا يشبها غبار، وتحكم أنت دون وصاية أو إجبار. ماذا تعني كلمة مواطن عادي أو طبيعي؟ أول ما يخطر في ذهنك هو ذلك الكائن الموصوف بالحياة، التي لا تجدها حتى بداخل تفكيره، ذلك الترس الضئيل في ماكينة عملاقة، وبسبب حجمه الضئيل لا يعد جزء مؤثر في العمل، يمكن استبداله طالما لا يعمل بشكل جيد أو حتى إن كان يعمل. فإن كان ذلك الترس نحن، والحياة تلك الماكينة العملاقة فذلك يعني بأننا جميعاً مواطنين عاديين وطبيعيين حتى أكثر من المطلوب.

 

فحين نبدأ في إنشاء مجموعة الأصدقاء، منذ نعومة الأظافر بشكل فطري، ربما من أجل الشعور بالأمان والحماية والتكامل، أو ربما للشعور بالقوة والسلطة. تختلف الدوافع حسب الشيء الذي يجتمعون حوله. لكن الحقيقي أن أغلب الظن أن سنة الحياة هي التنقل. فالشخص يقضي فترة مع مجموعة ثم ينتقل بشكل سلس إلى مجموعة أخرى، وهكذا إلى أن يأتي الوقت ليلتف حوله بعض الأشخاص مكونين "شلتهم" الخاصة التي تعبر عنها في تلك اللحظة.

 

ونحن كنا كذلك أبناء لتلك المراحل، نبرع في التنقل ومحاولة اكتشاف أنفسنا وسط أناس قد تشبهنا. حين اجتمعنا كانت الصدفة والقدر فقط من رتبوا إلى ذلك اللقاء، في عام 2013 وفي مقر أحد المرشحين للانتخابات الرئاسية، بين لافتات دعائية وأشخاص يحاولون التواصل بشكل شبه دائم مع المواطنين. رأيت شباب يعملون بدون مقابل، بكل ما أتوا من جهد من أجل قضية آمنوا بها ألا وهي الحرية والديموقراطية والعدالة. رغبتنا حينها في الانتصار ونجاح مرشحنا لم تكن سوى رغبة طفولية في الفوز، كنا جميعاً كطفل يحاول إرشاد باقي الأطفال إلى لعبة ممتعة لم يكن هو شخصياً متأكد منها. الحقيقة أننا في لحظة ما وجدنا أن لنا رأي يمكن أن نقوله، وهدف يمكن أن نسعى إليه ونسوقه، وطموح نعمل عليه دون توقف أو كلل أو ملل.

 

أذكر حينما خسرنا سباق الانتخابات وجلسنا جميعاً ننظر لبعضنا بخيبة الأمل، لم نكن نعرف ماذا نفعل بعد الآن، كل ما جمعنا كانت تلك المكاتب والهواتف واللافتات الدعائية والطموح والشغف، لم تجمعنا حينها علاقة صداقة قوية، ربما كانت الخلافات موجود بكثرة إلا أنها لم تأثر على عملنا ابدأ. في أخر يوم لنا أغلقنا المقر، وجلسنا في المقهى المجاور لنا، لكن تلك المرة لم نتحدث بالسياسية أو المكسب والهزيمة، فقد كنا نضحك ونوزع الابتسامات الصادقة. كنا مختلفين أكثر مما قد ندرك، كل منا أتى من أسرة مختلفة عن الأخر، أحلام مختلفة، أسلوب حياة مختلف، كنا نمثل الحياة بتناقضها، وتناقض الحياة ليس سوى جزء من عظمتها.

 

حين ألقي القبض على صديقنا، قفزت ذكرياتنا أمام عيني مرة أخرى، فإلقاء القبض عليه كان صدمة لنا جميعاً. لم يكن يوماً ثائر، لم يكن في يوم سياسيّ أو حتى مهتم بها، فما حدث ولما هو؟ 
حين ألقي القبض على صديقنا، قفزت ذكرياتنا أمام عيني مرة أخرى، فإلقاء القبض عليه كان صدمة لنا جميعاً. لم يكن يوماً ثائر، لم يكن في يوم سياسيّ أو حتى مهتم بها، فما حدث ولما هو؟ 
 

استمرت صداقتنا تسير بشكل لا يعكر صفوه قرار حكومي أو صدام فكري أو حتى اختلاف التوجهات، كنا قد وضعنا لأنفسنا قانوناً لا يمكن خرقه، هو الصدق ولا شيء سواه! استمرت الحياة بتناقضها كما هي، عدنا كما كنا من قبل تروس صغيرة، فارتضينا، فإن كان القدر قرر أن حياتنا لن تكن أكثر من ذلك، فما طائل من محاربته. حاولنا أن نتمسك ببعض على قدر الإمكان، ولكن لا شيء كان يقف أمام الحياة المقدرة لنا، ربما لم نعترض حينها خوفاً من أن نضيع المكسب الوحيد الذي حصلنا عليه وهي صداقتنا.

 

الجميع يظن أن تحرك الجيش في 30 يونيو أضر بمستقبل البلاد، ولكن الحقيقة أن ضرره على حياتنا البسيطة كان أكبر، فلا شيء يضاهي انهيار كل شيء بنيته أمام نظرك. أتذكر يوم قرر النظام فض اعتصام رابعة العدوية، كنت اجلس في غرفتي المظلمة ملتف بخيبة أملي واكتئابي، لم أنم تلك الليلة المشؤومة، كنت أشاهد في سكون أشبه بالشلل، تتساقط دموعي على قدر ما تتساقط الدماء، خجلت من عجزي ودعوت الله أن تنتهي الحياة في تلك اللحظة، ورفعت رأسي للسماء وصرخت بكلمة واحدة متسأل ليه؟ ليه؟ لكن لم يكن أحد موجود للإجابة.

 

تفرق جمعنا رويداً رويداً، وذهب كل منا إلى مجموعة جديدة، أو حتى اكتفى بحياته كترس غير راغب في أي شيء في تلك الحياة، أصاب الفتور قلوبنا، بل أصاب حياتنا التعيسة كلها، ولم يتبقى من أرواحنا شيء يمكن أن نحي له. وجدنا أنفسنا أمام صف طويل من الموتى الأحياء يسيرون بتناغم وتنظيم، ثم توقفوا وافسحوا لنا مكانناً منتظرين عودتنا، كما عودة الابن الضال، ألا انهم لم يكونوا سعيدين بعودتنا حتى.

 

حين ألقي القبض على صديقنا، قفزت ذكرياتنا أمام عيني مرة أخرى، فإلقاء القبض عليه كان صدمة لنا جميعاً. لم يكن يوماً ثائر، لم يكن في يوم سياسيّ أو حتى مهتم بها، فما حدث ولما هو؟ حينها اكتشفنا أنه ألقى القبض عليه بسبب علاقته بأحد أصدقائنا القدامى، وأن أحداً ما شاهده يجلس معه، قائلين أنه أصبح من الدواعش وذهب للجهاد، حتى قيل أنه قتل في إحدى المعارك، في تلك اللحظة فقدت ما تبقى من روحي، فلم تمر لحظة إلا وكنت أتخيل مشهد درامي إخراج القدر، في مواجهة أخيرة بين الصديقين القدامى، كل منهم يقف أمام الآخر حامل سلاحه. هكذا كنا وهكذا صرنا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.