شعار قسم مدونات

أساتِذة جزائريّون.. رسالةٌ نبيلة تقصيها أَبارتيد جديدة

blogs أساتذه جامعيون

ها هو الآن يمر نصف قرن منذ الاحتلال الفرنسي لأرض الجزائر، ولعل المتتبع لحركة التطور والتغيير يلاحظ بمرآى بصره التطور الرهيب الذي حصل في شتى المجالات. بالنقيض من ذلك فإنه لا يخفى عليه حينها التخلفُ الرهيب والشديد في مجالات أخرى أحجمت من شأنها حكومتنا المستقلة بعد ما أولاها الاستعمار الفرنسي عناية فائقة، وبرزت ثمارها واضحة جلية، إنْ بالنسبة للأفراد أو المجتمع. فقد أعطى المستعمر الفرنسي عناية بالتعليم بشكل خاص، دون أن ننسى تهميشه للكتاتيب والمدارس القرآنية. لكن ذلك الجيل الذي تتلمذَ على يد أساتذة فرنسيين بدتْ على مُحياه بوادر التنوير والعلم بعدما جمع بين تعليم فرنسا ورجع إلى أصله حيث أخذ العلوم القرآنية هدفا أساسا لتكوينه.

هذه الثمار النبيلة ترجع في أصلها إلى كون الحكومة الفرنسية المستعمرة أعطت للأستاذ المعلم قيمة فائقة حتى وإن سَخرتْهُ لبعض غاياتها الشريرة فإننا لا نغض البصر عن هذه السياسة التكريمية للأستاذ وأنه محور أساس في المجتمعات المخْتـلفة. وظلت بوادر هذا الرفع من قيمته قائمة حتى في سنوات الاستقلال الأولى، حيث حافظت الحكومة الجزائرية المستقلة على كرامته حتى وإن كان فرنسيا، فقدمت لهم تنازلات تستحق النظر فيها، حتى تشكل جيل جديد من الأساتذة باختلاف أجناسهم، حيث تم استقطاب آخرين عرب من مختلف الجنسيات من مصر وفلسطين وسوريا والعراق، رفقة الذين تبقوا من جنسية فرنسية.

هذه الحكومة كانت تعي تماما مدى أهمية رسالة الأستاذية وتداعياتها على المجتمع، وكيف أنها طريق حتمي نحو التطور في مجال الصناعة والطب وتنمية فكر المجتمع وتنويره. هذا الاهتمام الكبير والاستثمار المثمر تلاشى شيئا فشيئا مقابل توفر الثروات الباطنية التي حركت عجلة الصناعة بشكل رهيب وتم استقطاب كفاءات من الخارج لتسييرها وحدثت الوصاية عليها. وبات التطور الصناعي في مجال الثروات التي قد تنضب يوما مقابلا للتهميش الجائر للأستاذ، فأصبح شيئا فشيئا حتى اليوم هامشا على ورق، لا أهمية لما يصنعه.

آخر ما جادت به سياسة التهميش هو الإخلال ببنود هذا العقد دون رادع ولا مغيث لمستقبل هذا الطالب المتميز الذي غامر بمعدله الكبير واختار التمدرس في المدرسة العليا للأساتذة

بل وتعدى هذا الإقصاء إلى التنكيل بالأستاذ الجزائري نفسيا واجتماعيا والتنقيص من قيمته وسط مجتمع تشبع بأفكار كانت نتيجة لإقصاء الأستاذ من حركة التنوير من خلال ممارسات وضغوطات عليه تصل حد الفصل من مهنته التي هي مصدر قوته، وتجلى ذلك كله في العنصرية المميتة والأبارتيد الجديدة التي أصبحت تمارس ضد صاحب الرسالة النبيلة والشريفة.

آخر ما حيك ضده، ادعاء لوزير الدولة الأول أن الأستاذ الجزائري قرصان بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وأنه وراء المطالبة بحقه الضائع لا يعدو أن يكون صورة طبق الأصل لقطاع الطرق ورجال العصابات ومافيا المجتمعات. إذا ماذا بعد هذا من تقدير، هذه الصورة التي رسمها حكامنا ارتدت خلفيتها على مجتمعنا الذي بات يسخر من الأستاذ ويحط من قيمته.

مقارنة بذلك نطير إلى سياسات يُضرب بها المثل في تقدير المعلم وجعله محور الحياة، فسياسة التربية في ألمانيا كرمت الأستاذ وطرحت سؤالها الجليّ: هل نُـقارن الكفاءات والأدمغة المتنورة بمن علمها وأنار فكرها؟ هذه واحدة مثلا تنطلق من سؤال وجيز ودقيق فتتضح لها الرؤى ويُكشف المزيف من الأصيل. أما لدى تقييم الأستاذ الجزائري فننطلق من سؤال فلسفي جدلي يؤول بنا إلى أسئلة ومماحكات نحن في غنى عنها فيسألون: ما قيمة ما يقدمه هذا الرجل مقارنة بالطبيب أو الفلكي أو الفيزيائي أو المهندس؟ 

هو سؤال ينبع من جدلية البيضة والدجاجة ويتأذن بسياسة آنية غير استشرافية، فمتى ما مات الطبيب والمهندس والفلكي والفيزيائي أين من يخلفه؟ ومتى ما تبقت أفكاره وسيرته الناصعة من يسطرها لأبناء الجيل الآخر فيحذون حذوها ويتقفون أثرها.. وهذه هي الثقافة التي تبنتها هيئات التربية في دول الشرق الآسيوي كاليابان مثلا، فالأستاذ القدوة هو من يرسم لتلاميذه أجداده الأكفاء وينور عقولهم بفكرهم.

فأذّن على مجتمعنا بالانقسام متى ما مارس أبارتيده الجديد وعنصريته الواهية ضد من علمه وأنار فكره، ففقط اليوم أصبح يُشَار إليه بالبنان عكسيا على أنه مؤخرة قافلة المسير نحو الأمام، في حين أنه المهندس الخفي لقافلة الحياة. وأذّن على حكومتنا التي تعدت سياستها التخريبة ممثلة بهيئة التربية إلى الأساتذة في طور التكوين وأصحاب الكفاءات في المدارس العليا للأساتذة وهذه الصورة الأخرى من الممارسات الشنيعة ضد الأستاذ.

فطلبة المدارس العليا هم عصارة ما تنجبهم الثانوية العامة ومقدمة كل دفعة فيختارون التكوين على أساس مستقبل أستاذ ضمن بنود تعاقدية مع وزارة التربية أساسها ضمان التوظيف المباشر للأستاذ الكفء المتعاقد معها. وآخر ما جادت به سياسة التهميش هو الإخلال ببنود هذا العقد دون رادع ولا مغيث لمستقبل هذا الطالب المتميز الذي غامر بمعدله الكبير واختار التمدرس في المدرسة العليا للأساتذة. وعلى خلفية هذا الإخلال يظل الطلبة هؤلاء في إضراب مفتوح ولا مجيب لهم ولا ناظر لقضيتهم إن من الإعلام أو الهيئات الرفيعة، بل تعدى ذلك إلى ممارسات خارجة عن القانون ضد هذا الأستاذ الطالب الذي كان يظن في بداياته أنه لن يجد شيئا من هذه العنصرية إلا حين توظيفه في القطاع وممارسته الميدانية.

الخوف كل الخوف على هذه الرسالة النبيلة التي يحملها الأساتذة على عاتقهم من أن تخرج عن نطاقها في ظل الضغوطات العنيفة عليهم

أصبح ذلك وضعا مقيتا يضع الأستاذ الجزائري في ذيل ترتيب هذا المجتمع، فكفى به حالا مذلا أن يُدعى بالقرصان، ليس لشيء إلا لأنه وقف صامدا في وجه حقه المهضوم، ونالت منه الشرطة ما نالت من الشتم والسب، هل هكذا يا شرطة وأمن مجتمعنا تعاملون من درسكم وأنار فكركم وفي الطريق أبناءكم وفلذاتكم؟ ماذا بعد هذا الحال من تقدم نحو الأمام وتطور في مجالات الحياة؟ ماذا بعد إقصاء الأستاذ كُلّيةً من حركة المجتمع الدائبة وتفاعلاته بمن حوله؟ وماذا بعد هذه الرسالة النبيلة من تداعيات العنصرية والتهميش؟

هي تساؤلات فرضتها وقائع شتى حدثت مؤخرا وفرضها الرفض المستمر لمطالب الأساتذة الموظفين والمتكونين، وبعد الاستجابة لمطالب الأطباء الحثيثة باتت رؤيا حكومتنا تنطلق من فلسفة أن الجرح أعمق أثرا من الجهل وأنا موت الفرد في غياب الطبيب قضية تستحق النظر، مع غض البصر عن موت مجتمعات في فكرها في غياب المعلم.

ها نحن وها قضيتنا ولن تنال قسطها من العناية دون اعتبارها قضية أُمْ في هذا المجتمع، فما ذنبنا إن طالبنا بحقوقنا المشروعة، والتي كانت حتى في عهد المستدمر الغاشم وسقطت في أوّج استقلال دولتنا، وما تحدثنا مطلقا عن معاملة خاصة يولونها لنا مثل معاملة الأستاذ في النظام الغربي، وإنما كانت بنودا عريضة لإعادة النظر في تقدير المجتمع للأستاذ بدرجة أولى من خلال الجلوس معه والاستماع إليه على الأقل ليثبت وجوده وسط أفراء لا يعترفون إلا بالشكليات. إنها عنصرية تالية لمكانتنا المتدنية بعد شتى المعاملات المقيتة قولا وفعلا، وما أخذو هذه القضية بعين الاعتبار في إعلامنا الداخلي وتنتظر التفاتة لطيفة من هيئات عالمية كاليونيسكو مثلا أين جاءت وسيطا بين مطالب الأطباء وحكومتنا الرافضة. وبعدُ فالخوف كل الخوف على هذه الرسالة النبيلة التي يحملها الأساتذة على عاتقهم من أن تخرج عن نطاقها في ظل الضغوطات العنيفة عليهم.

وعليه ستظل قضيتنا قضية شرف قضية أكن أو لا أكون، قضية لنبي جافته عشيرته وصده عنها رؤساؤها وسادتها، وقضية المسير ثم المسير لأجل هذه الرسالة التنويرية التي تستحق بالفعل تقديرا لا مثيل له ولا نظير، وإن كان الجهل عيبا فإن التجهيل قمة العيب والعار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.